من أبشع الجرائم التي قد يتعرض لها الإنسان تلك التي لا تُترك فيها بصمات واضحة، ولا يُسمَع فيها صوتُ طلقٍ ناري، لكنها تُزهق روحًا، وتُطفئ وهجًا، وتترك الجسد حيًّا يُرزَق، بينما النفس تنزف بصمت.
السرقة ليست دومًا سرقة مالٍ أو متاع؛ فهناك سرقةٌ أقسى، أخفى، وأشدُّ إيلامًا: سرقةُ أغلى ما يُميز الإنسان... بنات أفكاره.
أن يُسرق جهدُ سنواتك، حروفك، تعبيرك، صوتك الذي صغتَه من عمق التجربة والقراءة، بصمتك الفريدة التي لا تتكرر في هذه الدنيا. أن يُؤخذ عقلك على حين غرة، ثم يُقدَّم للعالم وكأن لصَّه هو خالقه... أن تُسرق هويتك!
أيُّ جريمةٍ هذه؟
من سرق مالك قد يعيده، أو قد تُعوَّضه، ومن سرقك علنًا قد تُواجِهه،
لكن من سرقك سرًّا، من خان ثقتك، من تظاهر بالصداقة أو الزمالة أو التعاون، ثم طعنك في ظهرك وسرقك لتلميع نفسه، أو لنيل رضا جهة، أو سلطة، أو فرد، أو لتحقيق مكسبٍ خسيس بأنه اخترقك...
فماذا تملك أمامه؟ لا اسم، لا دليل، لا شهود.
ملعونةٌ التكنولوجيا التي تسمح للصٍّ بالنفاذ دون أن يترك خلفه بصمات،
وملعونٌ الفضاءُ الافتراضي الذي يُفرّط بك لأوّل مخترق دون أن يذرف عليك دمعة واحدة.
بعدما تكتشف النهب، تشعر وكأنك تعرّيتَ أمام العالم، بلا غطاء، بلا حماية.
كأنك ضُرِبت على وجهك، وأنت عاجزٌ عن ردّ الصفعة.
كأنك قُتِلت، وما زال دمك ساخنًا، لكن لا أحد يرى القاتل، ولا تقوى أنت على الإشارة إليه.
إنها جريمةٌ بلا قفص، ولا عدالة...
يُعزّيك الناس في نفسك، فتبكي وحدك في الظلام،
تشبّ النار في صدرك ولا يراها رجال الإطفاء، وتبقى الذكريات هشيمًا يتكاثر، يسعّر نيران الغدر فيك، ويأبى أن يخمد.








































