لا أدري كيف أقص عليكم حكاية عائلة الشهاوي لم لا نبدأ سويًا من الجد الأكبر الشهاوي...
كان الشهاوي رجل في غاية الثراء يمتلك بدلًا من العزبة خمسة عزب وكل عزبة بها ما يربو عن الخمسين فدان، كان أميرًا من الأسرة العلوية يصل نسله لمحمد علي باشا، في إحدى رحلاته لرومانيا بالتحديد قابل أوديت الغجرية التي هزه جمالها وزلزل كيانه.
جاب الشهاوي أنحاء رومانيا وراء أوديت فلقد كانت تعمل مع أهلها الغجر بالسيرك، وظل يغدق على أوديت بالهدايا ويحاصرها بإعجابه حتى سقطت دفاعات أوديت وأعلنت استسلامها وسقطت في حبه.
ظل الشهاوي فترة طويلة في رومانيا يلهو هنا وهناك مع أوديت متمتعًا بجمالها كما يحلو له، ينهل منها ومن صباها، بعد أن نال مراده من أوديت مرات ومرات وقعت عيناه على حسناء أخرى، كاسندرا، التي لم تكن سوى أختها الصغيرة التي كانت في رحلة للجبال للبحث عن أعشاب من الأعشاب التي يستخدمها الغجر في سحرهم، فبدأ في رمي شباكه عليها،
في ذلك الوقت .....
كانت أوديت أصبحت حاملًا منه وعندما طالبته أن يظل معها ومع طفلهما القادم رفض، لم تتحمل أوديت رفضه لوليدها القادم، وتيقنت من خداعه لها انتحرت بعد أن قصت حكايتها معه لأختها كاسندرا التي لم تجد بدًا من إخبار مانيلا والدتها الساحرة بكل شيء.
ومن هنا بدأت جذور قصتنا...
غضبت مانيلا غضبًا شديدًا من الشهاوي الذي رفض حب ابنتها وتسبب في موتها وموت حفيدها الذي لم ير النور بعد، جعلت كاسندرا تسرق منه فرشاة شعره وقامت بإلقاء لعنة على الشهاوي ونسله من الذكور ونسلهم، كل مولود ذكر يولد له سيتحول عند بلوغه الثامنة عشر إلى ذئب عند اكتمال القمر!
ولن تفك اللعنة إلا بزواج بين نسل الشهاوي ونسلها يكون عن حب صادق وحقيقي، لم يلق الشهاوي بالًا لما قالته مانيلا وبعد رفض كاسندرا له لتسببه في موت أختها استمر في إكمال رحلته حول العالم باحثًا عن المزيد من الجميلات لتحطيم قلوبهن أو نيل مراده منهن!
في هذا الوقت تعرفت كاسندرا على شاب مصري بسيط كان موفدًا للدراسة في رومانيا وهو الشاب جمال عدنان مصري الأب لبناني الأم وقع جمال في حبها وتزوجها وأخذها معه لمصر، علمها العربية وارتضت عيشته فهي كانت بسيطة كعيشتها.
في أثناء سفر الشهاوي استقل مركبًا تجاريًا صغيرًا ليتجه لإحدى الجزر التي يود زيارتها، تفاجأ وهو على متن المركب بتحول لون بوله إلى اللون الأسود!
بعدها بيوم...
مع اكتمال القمر شعر الشهاوي بآلام حاده تجتاحه! كان وحيدًا في غرفته أعزى ذلك لتغير لون بوله إلى اللون الأسود، ظن أنه ربما أصيب بعدوي ما وكان عاقد العزم على أن يزور الطبيب فور وصوله للجزيرة.
بدأت الآلام تشتد حتى لم يعد قادرًا على احتمالها، فجادت حنجرته بالصراخ، اجتمع حوله عدد من بحارة المركب، كان يتلوى أمامهم ولا يملكون له شيئًا، في اللحظة التي اكتمل فيها البدر بدأ جسد الشهاوي يتضخم حتى تقطعت ملابسه... بدأ الشعر يظهر على جسده بطريقة غزيرة جدا ...
كان البحارة ينظرون له مذهولين مما يحدث له غير قادرين على الحراك من هول صدمتهم، فهم لم يروا شيئا كهذا من قبل...
استطالت يداه واستحالت أظافره مخالبًا كذلك قدماه...
تغيرت ملامح وجهه واستطال أنفه مع فمه وتغير شكلهما وبرزت أنيابه عوضا عن الأسنان...
انحنى ظهره واستند بكفيه على الأرض وهو آخذ في الصراخ
حتى تحول ذلك الصراخ عواء... واكتمل تحوله لمستذئب!
ارتاع البحارة من مظهره وتسمرت أقدامهم للحظات لكن عواءه ومظهره المتوحش جعلهم يفيقون من صدمتهم وتسارعوا لإحضار ما يقتلون به هذا الوحش المتمثل أمامهم.
الشهاوي لم يمهلهم أبدًا، انقض على هذا وغرز مخالبه في ذاك واقتلع قلب آخر وهكذا في لحظات، مجرد لحظات كان قد قضى على كل من بالمركب وبدأ في التهام قلوبهم وأكبادهم وتمزيق من تركه مصابًا منهم،
في الصباح...
أفاق الشهاوي ليجد نفسه محاطًا بجثث البحارة ممزق الملابس ولا يوجد سواه بالمركب، أخذ الشهاوي في البكاء من هول المنظر أمامه!
تيقن من صدق لعنه مانيلا وصمم على إيجادها،
لكنه آثر الانتظار على المركب في عرض البحر حتى تمر ليلة اكتمال القمر الثانية بسلام، فيكفيه هؤلاء الأبرياء اللذين راحوا ضحيته،
كما تعذب في الليلة الأولي تعذب في الثانية وأخذ يعوي طوال الليل فهو لم يجد مزيدًا من البشر ليقتات عليهم.
حل الصباح ...
فبدل ملابسه بملابس نظيفة وألقى نفسه في الماء وأخذ يسبح باتجاه الشاطئ كانت المسافة طويلة لكنه بعد عملية التحول تلك أضحى أقوى،
وصل الشاطئ وبحث عن وسيله تنقله ليعود لرومانيا باحثًا عن مانيلا.
وصل رومانيا، شرع في البحث عنها وعندما وجدها شرعت مانيلا في الضحك قائلة: هل ذقت عقابي؟ هل استمتعت بلعنتك؟ أفقدتني أقرب بناتي لقلبي فأفقدتك آدميتك ستظل ملعونًا أنت ونسلك، هذا عقابك.
استشاط غضبًا وهو يقول: لا تجعليني أؤذيك أيتها العجوز الشمطاء هيا فكي هذه اللعنة الآن.
ممسكًا بها من رقبتها، كان في قمة غضبه وقوته لم تتحمل العجوز قبضته الحديدية على عنقها وماتت راسمة ابتسامة التشفي على شفتيها، تحول مرة أخرى وقضى على كل أهل مانيلا وهرب للغابة حتى انبلج الصباح وعاد لشكله الآدمي، أخذ يسأل عن السحرة والعرافين واستدل على جاكوب العراف وذهب لملاقاته.
دخل خيمة جاكوب التي تتناثر بها بعض الجماجم هنا وهناك، وبعض العظام الملقاة، لا تعرف هل هي عظام آدميه أم لا، كما كانت تفوح من الخيمة رائحة عطنه تتناسب تمامًا مع شكل جاكوب بوجهه الدميم الذي يحمل علامة لثلاث مخالب مزقت عينه اليمنى.
ما أن شاهد جاكوب شهاوي حتى ابتسم قائلًا: مرحبا بالرفيق الجديد هل حولت أحدًا بعد؟ أم لم ينج من مخالبك أحد؟!
- أنت تعلم!
- ألم أقل لك يا رفيق... نحن نعرف بعضنا لكنك لعنت أما أنا فتحولت بفعل تلك المخالب التي تزين وجهي.
- وهل من سبيل للخلاص؟
- خلاصي أنا يكون بموت المستذئب الذي جرحني، أما أنت فلعنتك لا سبيل لخلاصها، إلا بحب صادق نابع من القلب من بين نسلك ونسل مانيلا.
- وهل سأظل هكذا؟
- تمتع بمميزات اللعنة أنت الآن أقوى من الجميع.
تملكه الغضب صائحًا: لا أريد هذه القوة.
جاكوب بكل برود وهدوء رد عليه: إذن اقتل نفسك برصاصة فضية توجهها إلى قلبك مباشره فتنتهي من عذابك، لكن سلالتك ستظل تحمل نفس اللعنة.
- لا سلالة لي، ولا أستطيع قتل نفسي، كيف أتحكم بها؟
- افعل مثلي إنهما ليلتان فقط ابن لنفسك حصنًا منيعًا، اجعل قضبانه من الفضة ولتجعل شخصًا تثق به يحبسك هاتان الليلتان وضع لنفسك في القفص طعامًا حيًا.
- حسنًا إنها فكرة جيدة.
- وتستطيع ممارسة حياتك بطرق عادية ونسلك سيكون الأقوى والأوسم.
هز ذراعيه قائلًا: لن أتزوج.
جاكوب وهو ينظر للفراغ قارئًا المستقبل: بلى ستفعل وسيكون نسلك من الذكور، خمسه ذكور، لن أخبرك ما سيحدث لهم!
الشهاوي بتوسل وقد استبد به الفضول: أخبرني ما ترى.
- لا، دع الأيام تلعب لعبتها، ولا تنس...
لا تبقِ على فريستك إلا إذا أردت ملء العالم بالمستذئبين! فيجب عليك الإجهاز على من تعضه أو تخدشه وإلا تحول لمسخ مثلنا.
قالها مجلجلًا بضحكة مخيفة، وطالبه بالانصراف.
انصرف الشهاوي عائدًا إلى مصر في أسرع وقت قبل تحوله القادم، عاد للعزبة الشرقية التي يحبها لوقوع قصره في منطقة نائية منها قريبًا من الجبل.
فور وصوله للعزبة استدعى الشاب مأمون، خادمه المطيع الذي توفت أمه وهي تلده ومن بعدها والده فتعهد الشهاوي بتربيته وتنشئته، ونشأ مأمون وهو يضعه في منزله الأب والأم معًا ويحبه حبًا لا مثيل له.
قص على مأمون حكايته مع أوديت ولعنة مانيلا!
كان الفتى في حالة من الذهول لما يقصه عليه، غير مصدق لما يرويه
- أبي أجاد أنت؟ بالتأكيد تمزح معي أليس كذلك؟! إنها إحدى مزحاتك.
الشهاوي والحزن يعتريه: يا ليتها كانت مزحه يا ولدي.
- وماذا سنفعل أبي؟
- سننفذ نصيحة جاكوب، سنبني قبوًا تحت القصر وسنجعل قضبانه من الفضة، أريد أمهر البنائين وليكونوا بلا أهل، لا يوجد لهم من يسأل عليهم، وأريد كميات كبيرة من الفضة، وأحضر لي هنا أمهر حداد في مصر هيا يا مأمون لا نملك الكثير من الوقت.
- حالًا يا أبي حالًا.
ذهب مأمون لينفذ ما أمره به الشهاوي فاستخدم أمهر البنائين وأمهر الحدادين وأرسل في شراء كميات من الفضة تكفي للقضبان، من كل بلد كمية؛ حتى لا يتساءل أحد عن سبب جمعه لكمية كبيرة من الفضة،
اجتمع الشهاوي بالعمال وطلب منهم تنفيذ ما طلبه بأسرع وقت وأمرهم بالمكوث بالقصر لحين إنهاء عملهم، فكانوا يقسمون أنفسهم في ورديات ويواصلون العمل ليلًا نهارًا، حتى أنهوا ما أمرهم به وجهز قبو القصر بزنزانة واسعه ضخمة قضبانها من الفضة وكذلك قفلها.
كان العمال بالطبع يتساءلون فيما بينهم وبين أنفسهم عن سر هذه الزنزانة وهذا القبو، لكن أحدًا منهم لم يجرؤ على البوح بما عمل في نفسه من تساؤل.
بعد أن أنهى العمال عملهم أقام الشهاوي لهم وليمه بها ما لذ وطاب من طعام لم تنظره عيونهم من قبل، وقبل إنهائهم الطعام كانوا قد غطوا في نوم عميق بفعل المخدر الموجود بالطعام.
كانوا اثني عشر عاملًا أدخل أحدهم للزنزانة والباقين وضعوا داخل غرفة منفصلة بعيدة عن الزنزانة.
كانت الليلة الأولي لاكتمال البدر قبل أن يطل الليل ويرخي على السماء أستاره...
دخل الشهاوي الخلوة كما أطلق على زنزانته، وأغلق عليه مأمون بالقفل وجلس بالخارج يتسامر معه ومع العامل الموجود بالزنزانة الذي كان يتساءل عما فعله ليحبس وأجابه الشهاوي أنه يحتاجه في أمر هام!
بدأ القمر في الظهور وبدأ الشهاوي في التحول لم يعد التحول يؤلمه كما كان سابقًا بل أصبح يستمتع به، العامل المسكين أخذ في الصراخ وتوفي بالسكتة القلبية من هول ما رأى وسقط ميتًا في التو قبل أن تظفر به مخالب الشهاوي!
أما مأمون كان يقف بالخارج وقد سقط فكه اندهاشًا وتعجبًا وكان يفرك عيناه غير مصدق لما يرى من تحول أبيه الشهاوي ولكنه لم يتحمل المشاهدة أكثر وفر للخارج في الحديقة وأمضى الوقت في حفر قبر وهو يبسمل ويحوقل.
ألقت الشمس بنورها على مأمون الذي غالبه النوم في الحديقة وداعبته أشعه الشمس فاستيقظ، دخل القبو فوجد الشهاوي عاد لصورته الآدمية وبجواره جثة الرجل.
فدخل الخلوة فاستيقظ أباه وعاونه في إخراج الجثة إلى قبرها،
وأمره أن يزرع على قبره ورودًا بلديه، كما طالبه أن يعصب عيني العامل الذي سيضعه له الليلة حتى لا يموت رعبًا كسابقه.
قال مأمون بحذر: ألا يمكن يا أبي أن أضع لك حيوانًا ما بدلًا من هؤلاء العمال المساكين.
الشهاوي ممسكًا بتلابيبه: وأنا ألست مسكينًا...
ثم هدأ.
ليستطرد: لا أستطيع إطلاق سراحهم فسيفلت لسانهم ويخبرون الحكايات عن الخلوة، هذا أفضل...
ونظر لمأمون نظرة مرعبة
- ولا تجادلني يا مأمون مرة ثانية، أنا أحبك ولا أريد خسارتك.
ارتعدت فرائص مأمون قائلًا: حسنًا يا أبي كما تأمر.
- أدخل الآن نظف الخلوة وأدخل الرجل.
وتكررت أحداث البارحة إلا أن الشهاوي قد استمتع الليلة بفريسته،
انبلج الصباح، وفعل مأمون كالليلة السابقة ودفنت الجثة بجوار رفيقتها.
شهران مرا...
قرر الشهاوي الزواج فتزوج من الأميرة روزا سليلة الأسرة الحاكمة وصحبها للإقامة بالعزبة الغربية.
وكان يتركها بدواعي متابعة الفلاحين ويذهب للعزبة الشرقية في أيام تحوله وظل لمده خمسة أشهر يتخذ من العمال فرائس له.
ويدفنهم مأمون في الحديقة.
حملت روزا وكان حملها متعبًا جدًا وكانت بطنها كبيرة للغاية وخصص الشهاوي طبيبًا مقيمًا بقصره لمتابعتها، وضعت روزا خمسه ذكور أقوياء أصحاء استغرب الطبيب للغاية، فلقد كانت هذه حاله لم يقابلها سابقًا أن تضع الأم كل هذا العدد ويكونوا بهذه الصحة!
فرح الشهاوي فرحًا شديدًا بولادة أولاده وأسماهم
سامي ... راضي... رامي... راجي... رمزي.
لم يوافق على تسميه سامي برائد كما أرادت زوجته ليكون بادئا بحرف الراء،
لا يدري لم اختار له اسمًا مختلفًا عن بقية أخوته،
تحول الشهاوي لافتراس الأبقار والحيوانات وكان مأمون يلقي بالبقايا في الجبل، أما الحديقة التي دفن بها العمال أضحت ركنًا مزدانًا بأجمل الورود البلدية التي كان الشهاوي بنفسه يوليها عنايته الفائقة.
توفيت روزا بعد فتره بعد أن سقطت من على صهوة جوادها وانكسر رأسها...
هذا ما أخبروا الناس به! لكن الحقيقة...
أنها وجدت مذكرات الشهاوي وواجهته بما فيها فاستشاط غضبًا وقتلها خنقًا.
اشتد عود الأولاد واقتربوا من بلوغ الثامنة عشر وقت تحولهم!
كان أمل الشهاوي أن تكون اللعنة قاصرة عليه وحده،
لكنه فقد هذا الأمل بعد أن أخبره أولاده كل على حده أنهم اليوم كان لون بولهم أسود فأيقن أنهم أيضًا أصابتهم اللعنة فهذا ما حدث له قبل تحوله بيومين.
صحب أولاده للعزبة الشرقية، وكتب خطابًا موجهًا لمن يهمه الأمر أنه سيقتل نفسه وأولاده لأن النداهة تأمره بذلك.
جمع أولاده ووضع أمامهم الطعام الذي به المنوم ووقف مأمون يراقبهم بحزن، لكن مأمون لم يضع المنوم لـ سامي فلقد كان يعتبره كابنه،
وطالبه أن يتصنع النوم لسبب سيخبره به في وقت لاحق.
حمل مأمون الأولاد لأسرتهم، وطالب سامي بعدم الخروج مهما سمع.
ودخل الشهاوي عليهم كُلٌ في غرفته وأطلق الرصاصة الفضية على قلب كل منهم، وقبل دخوله غرفة سامي طلب منه مأمون أن يفعلها هو لمعرفته بمدى حب أبيه لـ سامي، دخل مأمون على سامي وطالبه بالسكوت وأطلق رصاصة في الهواء وخرج متصنعًا الحزن.
دخل الشهاوي غرفته وأطلق على نفسه النار.
اصطحب مأمون سامي للخلوة وأخبره كل شيء وأعطاه مذكرات والده ليقرأها، سامي كان مصدومًا صدمة عمره غير مصدق لما رأى من موت والده وأخوته ولا لما كتبه والده!
عندما بدأ البدر في الظهور وبدأت ألام التحول أدخل مأمون بقرة للخلوة وأغلقها على سامي وتركه وانصرف.
لم يستوعب سامي ما يحدث له، ولا تلك الآلام التي تحتل كل ذرة في جسده، واستحال ذئبًا!
هل الصباح حزينًا على سامي الذي أخذ يستوعب ما حدث وظل مكتئبًا طوال اليوم.
وتكررت الأحداث...
في صبيحه اليوم التالي نظف مأمون كل أثر للدماء ونظف الخلوة واتصل بالشرطة التي ذهلت لما فعله الشهاوي، وعند سؤالهم مأمون عن سبب نجاه سامي أخبرهم أن المنوم نفذ منه ولم يخبر الشهاوي بذلك عله ينجي أحدًا، تكتمت الشرطة على الخبر وأمرت بدفن الشهاوي وأولاده فلا يعقل أن يعرف الملأ أن نسيب الأسرة الحاكمة قد أصابته لوثة عقلية وقتل نفسه وأولاده.
ظل مأمون ملازمًا لـسامي كظله.
سامي كان مولعًا بالعلوم الطبية وأصبح طبيبًا مختصًا بعلم الوراثة وأخذ في عمل اختبارات وأبحاث في محاولة منه للفكاك مما يصيبه بكل اكتمال للقمر لكنه لم يفلح، حاول السفر لرومانيا عل أباه يكون قد ترك أحدًا من نسل مانيلا على قيد الحياة ويساعده في الخلاص من لعنة لم يكن له ذنب بها، وهناك تعرف على إيلينا الحسناء وأحبها حتى أنه اعترف لها بكل شيء، ساعدته إيلينا في البحث عن أي أثر لـ مانيلا وتوصلا إلى أن كاسندرا قد تزوجت من مصري يدعي جمال عدنان كان في بعثة لاستكمال دراسته.
تزوج سامي من إيلينا وصحبها لمصر، وأخذ يبحث عن المدعو جمال عدنان، ولكن للأسف وجده قضى نحبه هو وكاسندرا ولم يجد سوى ابنته مانيلا التي سميت تيمنًا باسم جدتها والتي ادعت أنها لا تعرف شيئًا عن ماضي أمها أو جدتها وأنها لم تأخذ من جدتها سوى اسمها.
مانيلا الصغيرة كانت كاذبة فلقد أطلعتها أمها كاسندرا على كل شيء وأسقتها كرهها لعائلة الشهاوي وكيف أنهم السبب في موت عائلتها كما أسقتها، أصول السحر والشعوذة، وورثت من أمها قدرتها وموهبتها في قراءة الطالع التي تتوارثها نساء العائلة كلهن!
سافرت مانيلا الصغيرة للعزبة الشرقية واستقرت هناك وتزوجت من جابر الأسود الذي يعمل بالسحر وقراءة الطالع وساعدته حتى أصبح أشهر ساحر في المنطقة كلها ولكن أهل العزبة كانوا يمقتونهما ويتمنيان خروجهما منها لكن كانوا يخشونهما.
سامي وأيلينا أنجبا صبيًا أسمياه يوسف.
وأنجبت مانيلا الصغيرة بنتًا أسمتها أوديت التي لم يستطع أهل المنطقة نطق الاسم فكانوا ينادونها عود بنت الأسود، أو أم الشعور لطول شعرها الذي كان أطول من كل قريناتها!
كانت أوديت تكره اسم عود وأم الشعور وتحب اسمها أوديت، كما كانت تكره السحر وممارسته وتكره معرفتها بالطالع من مجرد الإمساك بالكف، وتمقت كيف أن لديها القدرة على الإحساس بأشياء ستحدث قبل حدوثها،
كانت فائقة الجمال منذ صغرها.
أصرت أوديت أن تتعلم وتفوقت في الدراسة، كان المدرسون لا ينادونها إلا بأم الشعور لكنها كانت ذات شخصية مختلفة عن شخصية أمها المخيفة والبغيضة، كانت محببة للجميع كما أنهم كانوا يخشون من إغضابها خوفًا من أمها وأبيها.
كبرت أوديت وسافرت معها أمها لتكمل دراستها في القاهرة ودخلت كلية التربية.
يوسف أطلعه والده على كل شيء وكان يصحبه معه في وقت اكتمال القمر للخلوة ويظلان بها حتى تمر فتره التحول.
في إحدى المرات كانت أيلينا تقف بقرب الزنزانة يتملكها الفضول لتشاهد التحول فخدشها سامي.
أيلينا لم تتحمل فكرة أن تتحول هي الأخرى لمستذئب وتقتل البقر هكذا بوحشه فلقد كانت رقيقة وحساسة فانتحرت.
لم يتحمل سامي فكرة فقدان حبيبته وقتل نفسه بالرصاصة الفضية ليلحق بحبيبته ويتركا يوسف يعاني.
لم يكن بجواره سوى مأمون.
أنهى يوسف دراسته... مقررًا المكوث بالعزبة الشرقية.
ليستمر في أبحاث والده عله ينهي اللعنة... قرر عدم الزواج لئلا يبلي نسله بهذه اللعنة ولينهيها معه... لكنه أراد العيش والتمتع بالحياة... رفض أن يقتل نفسه.
الفلاحين بالعزبة كانوا يخشون الاقتراب من أسوار القصر...
يقولون إنه قصر مسكون، أن عفاريته ذئاب لا تنشط إلا في ليلتي اكتمال البدر فكانوا يسمعون صوت العواء بالطبع، ولذلك كان مأمون يجد صعوبة في إيجاد من تنظف القصر حتى لو كان ذلك نهارًا، ومن تقبل كانت تطلب من الشيخ مأمون كما أُطلق عليه أن يظل معها إلى أن تنتهي من مهمة تنظيف القصر.
بعد أنهاء أوديت لدراستها صممت أمها أن ترجع للعزبة،
لم تنفك مانيلا تلقي سمومها في قلب ابنتها أوديت نحو عائلة الشهاوي التي لم يبق منها سوى يوسف وعن أنها يجب عليها أن تنتقم منه، لكن أوديت بدورها ظلت تطلب من والدتها أن تنسى هذا الأمر وأن تتوب هي ووالدها فلقد كانت ترى موتهما وشيكًا، لكن نيران الانتقام كانت تعمي مانيلا.
في يوم استعدت مانيلا وجابر الأسود للذهاب للمنصورية عند أحد رجال الأعمال لقراءة طالعه، ودعتهما أوديت وهي تحس أنها لن تراهما ثانية وقد صدق إحساسهما فلقد صدم سيارتهما أحد من تسبب جابر بإيذائهم بسيارته ودفع سيارتهم بسيارته في النيل ليموتا غرقًا في سيارتهما،
رأت أوديت لحظه الاصطدام وكأنها كانت معهما!
رأت أمها وأباهما وهما يحاولان فتح أبواب السيارة بعد سقوطها في النيل ومحاولاتهما المستميتة للخروج لكنهما لم يستطيعا.
حزنت أوديت حزنًا شديدًا فمهما كانت درجة سوئهما إلا أنهما يبقيان أمها وأباها، فور وصول الجثتين للعزبة رفض أهل العزبة دفنهم بمقابرهم،
وقام أحد من احترق قلبهم بأفعال مانيلا والأسود بحرق المنزل،
وقفت أوديت بجوار المنزل وهو يحترق وأمامها جثة والديها كانت تعرف من حرق المنزل فلقد رأته، لكن صدمتها بموت أبويها منعتها من التصرف وأخذت تبكي.
جاء بعض من ذوي القلوب الرحيمة لها وأشاروا عليها أن تدفن والديها في أطراف الجبل المتاخم للعزبة بجوار قصر الشهاوي.
تعجبت أوديت من تصاريف القدر فوالدتها التي عاشت عمرها تتمني موت نسل الشهاوي تدفن الآن بجوار قصرهم، وفي أرضهم!
ذهب بعض من الرجال للشيخ مأمون واستأذنوه في دفن مانيلا والأسود.
مأمون أستغرب الاسم وأحس أنه سبق وسمع به لكن الذاكرة التي أضناها الدهر وهال عليها رمال النسيان لم تسعفه وسمح لهم بالدفن.
رافقتهم أوديت لتدفن والديها وفي الطريق شاهدت بعضًا من العظام الملقاة في الجبل وأحست بالذعر الذي انتاب تلك الحيوانات وهي فريسة للشهاوي وسامي ويوسف.
أحس الشيخ مأمون بتغير وجه أوديت لكنه ظن أن ذلك راجع لحزنها على موت والديها.
انفرد الأستاذ فرحات مدير المدرسة الابتدائية بالعزبة بالشيخ مأمون
- يا شيخ مأمون أعلم أن قلبك كبير وأن الخير يجري على يديك...
- تحدث مباشرة يا أستاذ فرحات أنت تعلم أني لا أحب اللف والدوران.
- لقد حرق المتضررون من أعمال الأسود بيت أم الشعور وليس لديها مأوى وكما ترى إنها فتاة وحيدة الآن وسيرفض أهل العزبة استقبالها في بيوتهم مع علمهم بطيبتها، لكنهم ما زالوا يخشونها يخافون أن تكون كأبويها، والأهالي يرفضون تعينها بالمدرسة.
- تعينها! أمتعلمة هي إذن؟!
- نعم وإني أشهد الله أني لم أر منها سوءًا أبدًا، لكن أنت تعلم القرويين، وهي أيضًا تتلفظ أحيانًا بأشياء تخيفهم؛ فهي أحيانًا تستبق الأحداث وتخبرهم بالقادم.
- لا تلق بالًا لذلك ولكن ما هذا الاسم الغريب أم الشعور؟!
فرحات ضاحكًا: إنه الاسم الذي أطلقوه عليها لأن شعرها يستطيل سريعًا نادها بعود، يا عود الشيخ مأمون يريد الحديث معك.
- تفضل يا شيخ.
ابتسم فرحات: سأنصرف أنا والرجال يا بنيتي فليحفظك الله.
- أنا شاكره لك أستاذ فرحات.
وسلمت عليه... صمتت قليلًا.... ثم قالت:
-احترس يا أستاذ فرحات من شرفة منزلك الشرقية فستسقط قريبًا أقترح أن تصلحها.
هز فرحات رأسه موافقًا كلامها ونظر للشيخ مأمون: ألم أخبرك... حسنًا عود سأتخذ احتياطي أشكرك على التحذير.
ثم انصرف.
ليسألها مأمون: كيف عرفت يا عود بأمر شرفة المنزل؟
- إنها موهبة.
ضحكت ضحكة مغتصبة
-لا أدري حقًا هل هي نعمة أم نقمة؟ ورثتها من جدتي لأمي.
- حسنا دعينا من الماضي، علمت أن منزلك احترق.
- لقد أحرقه منصور الكامل.
مأمون مستغربًا: كيف علمتِ؟ هلا أقمتِ معي بالقصر؟ لا يوجد هنا سوانا أنا والباشا يوسف لن تتعبي كثيرًا، فقط بضع مهمات يوميه بسيطة، فشركة النظافة تأتي أسبوعيًا لتنظيف القصر، أتمنى فقط ألا تكوني من مصدقي الإشاعات عن القصر.
أوديت مبتسمة: أتمنى أيضًا ألا تصدق الإشاعات عني.
مأمون مصافحًا إياها: بالطبع.
أغمضت أوديت عيناها حين سلمت على مأمون
ثم قالت: كلنا نخفي الأسرار يا شيخ مأمون.
انتابته رعشه خفيفة: حسنًا أوديت لنجعل التعامل بيننا بلا سلام.
وضحك ضحكة قصيرة
-هيا بنا لأريكِ غرفتك.








































