لم تكن الساعة المعلقة في ميدان المدينة معطّلة، لكنها توقفت بإرادتها.
قال صانع الساعات العجوز إن التروس سليمة، والعقارب حادة، والزجاج لم يُخدش، ومع ذلك توقفت عند الظهيرة تمامًا، لا تتقدم دقيقة ولا تتراجع ثانية.
الناس مرّوا أسفلها يومًا بعد يوم، بعضهم رفع رأسه وسخر، بعضهم لم يلتفت أصلًا، وآخرون بدأوا يضبطون ساعاتهم الشخصية على هذا التوقف الغريب، كأن الزمن قرر أن ينتظر أحدًا.
في المدينة، كانت الأبواب تُفتح في الصباح وتُغلق في المساء بلا سبب مفهوم.
الوظائف تُمارَس كطقوس لا يعرف أحد معناها.
الكلمات تُقال همسًا حتى داخل البيوت، كأن الجدران نفسها صارت لها آذان.
وفي أحد الأيام، خرج الناس إلى الميدان لا لشيء محدد.
لم يخرجوا غاضبين، ولا هاتِفين، بل خرجوا لأن أقدامهم سئمت الأرض الضيقة، ولأن صدورهم ضاقت بأكسجين الخوف المعاد تدويره.
وقفوا أسفل الساعة المتوقفة.
نظروا إليها طويلًا.
شعروا لأول مرة أن الزمن ليس فوقهم… بل معهم.
شاب نحيل كسر الصمت وقال: — لماذا لا تتحرك؟
لم تجبه الساعة، لكن شيئًا ما تحرك داخل الجمع.
امرأة كانت تقف في الخلف تقدّمت خطوة للأمام، ثم خطوتين.
رجل فقد صوته منذ سنوات بدأ يتكلم بلا خوف.
طفل جلس على الأرض ورسم دائرة كبيرة، وقال إن هذه المدينة يجب أن تُعاد رسمها من جديد.
كان الغريب أن أحدًا لم يأمر أحدًا.
لم يكن هناك قائد، ولا منصة، ولا مكبر صوت.
كان هناك فقط إحساس جماعي بأن الصمت أطول من اللازم.
مع الغروب، حاولت السلطة في المدينة إعادة تشغيل الساعة.
أرسلوا مهندسين، وحرّاسًا، وخطباء، وبيانات طويلة لا يفهمها أحد.
لكن الساعة لم تتحرك.
وفي الليل، حين عاد بعض الناس إلى بيوتهم، اكتشفوا أنهم لم يعودوا كما خرجوا.
الخوف الذي كان يسبق أسماءهم سقط.
الأرض التي كانت تضيق بهم اتسعت فجأة.
وفي الفجر، تحركت الساعة.
لم تتحرك للأمام، بل بدأت تدق…
دقة واحدة،
ثم دقة أخرى،
كأنها تعلّم الزمن كيف يمشي من جديد.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المدينة كما كانت.
بعض الأبواب أُغلقت إلى الأبد،
وبعض الوجوه اختفت ..
منذ ذلك اليوم..
حتى من صمت،
صار يعرف أنه صامت باختياره،
لا من خوفه.
وذلك وحده…
كان أخطر ما حدث..
…لكن الدقات لم تستمر طويلًا.
في الأيام التي تلت، اكتشف الناس أن الزمن الذي تعلّم المشي عاد يعرج. لم يعد يتوقف، لكنه لم يعد يسير لهم أيضًا.
في البداية، بدت الوجوه الجديدة مألوفة. قالوا إنهم «حُرّاس الدقات»،
وإن الساعة تحتاج إلى من ينظم نبضها،
وإن الوقت إن تُرك بلا وصاية انفلت.
نُصبت لافتات تحت الساعة المتحركة:
(من أجل الاستقرار)
لم يفهم أحد ما الذي تحقق بالضبط، لكن الجميع صفق..
عاد الكلام عاليًا، لكن معجمَه تغيّر.
الكلمات نفسها،المعاني أُفرغت واستُبدلت.
صار الصمت جريمة جديدة، والسؤال سوء نية، والتذكير بالبداية خيانة للمنتصف.
الساعة الآن تدق بانتظام، لكنها لا تشير إلى وقتٍ يعرفه أحد. تُعلن مواعيد لا يحضرها الشعب، وتحسب أعمارًا لا تخصهم.
الذين وقفوا يومًا أسفلها، صاروا يقفون في طوابير أطول..
أما الشاب النحيل، عاد يسأل لماذا لا تتحرك الساعة سوى فوق رؤوس آخرين!!
المرأة التي تقدّمت خطوة، تعلّمت أن تتراجع عشرًا كي تعيش.
الرجل الذي استعاد صوته، اكتشف أن الصوت المرتفع يُستبدل بسرعة بآخر أعلى منه، وأكثر طاعة.
الطفل الذي رسم الدائرة، كبر، فوجد المدينة قد أُعيد رسمها فعلًا… لكن بأقلام ليست له، وحدودٍ لا يستطيع محوها.
قالوا إن الساعة تحركت، لكنها لم تعد تتحرك للذين خرجوا لها..
وفي البيوت، عادت الهمسات..
صار الناس يعرفون أنهم صامتون، لا لأنهم اختاروا الصمت، ولا لأنهم خافوا، بل لأن الكلام لم يعد يُغيّر شيئًا.
وهذا… كان أثقل من الخوف، وأقسى من الصمت، وأصدق اعترافٍ ، حين لا تتحقق الأحلام، يتحول الأمل من خلاصٍ منتظر إلى يومٍ إضافي في أسبوعٍ لا ينتهي…
ثامن أيامه هو الانتظار..








































