لم يكن المصعد يصل إلى الطابق السابع إلا لمن تخطى كل الطوابق أولًا.
هكذا قال حارس العقار العجوز، وهو يبتسم ابتسامة لا تُطمئن ولا تُخيف، بل تُربك، كأنها مرآة لا تُظهر الوجه بل السؤال خلفه.
دخلتُ المبنى هاربًا من ضجيج العالم. سبعة طوابق، لوحة نحاسية باهتة عند المدخل، وأسماء الطوابق مكتوبة بلا أرقام:
الأول، الثاني، الثالث… حتى السادس.
أما السابع، فلم يكن مكتوبًا.
ضغطتُ الزر.
توقف المصعد عند الأول.
الطابق الأول: الجسد
كان المكان مزدحمًا بأجسادٍ تمشي بلا وجوه، ووجوهٍ بلا أعين.
كل شيء يتحرك بثقل: أنفاس، خطوات، أوجاع.
قال لي رجل بلا ظل:
هنا تبدأ الرحلة، لأن الجسد أول ما يُصدّق أنك موجود.
سألته عن السابع، فربّت على صدره وقال:
من لم يتجاوز هذا، لن يصعد.
أغلق المصعد ببطء، كأنه يغلق فصلًا من كتاب قديم.
الطابق الثاني: الرغبة
الهواء دافئ، مشبع بالوعود.
نساءٌ ورجال يتبادلون نظرات أطول من اللازم، وأحلامًا أقصر من الحقيقة.
رغبات تتكاثر كظلال عند الغروب.
همس لي صوت من اللاشيء:
هنا يضيع كثيرون، لأنهم يظنون الشهوة حياة.
رأيت نفسي للحظة، واقفًا بينهم، فارتجفت وضغطت الزر.
الطابق الثالث: العقل
جدران مغطاة بالمعادلات، الكتب تتكلم، والأفكار تتصارع.
كل شخص يحمل رأسين: أحدهما يسأل، والآخر يشك.
قالت لي امرأة ترتدي نظارة بلا عدسات:
العقل سماء، لكنه ليس الأخيرة.
فهمت متأخرًا أن كثرة الأسئلة قد تكون سجنًا، لا مفتاحًا.
الطابق الرابع: الذاكرة
رائحة طفولة، أصوات موتى، ضحكات منسية.
شريط العمر يُعاد بلا استئذان.
رأيت أمي، ولم تكن تنظر إليّ، بل إلى نسخة أصغر مني.
أدركت أن الذاكرة ليست ماضينا، بل ما تبقى منا حين ننسى.
هربت قبل أن أبقى.
الطابق الخامس: الألم
لا صراخ هنا.
الألم صامت، أنيق، يجلس بجوارك كصديق قديم.
كل من في المكان يحمل ندبة مضيئة.
قال لي شيخ مكسور الظهر:
من لم يتألم، لم يتعلم معنى الرحمة.
شعرت بثقلٍ في صدري، لكنه كان أخف مما توقعت.
الطابق السادس: الإيمان
لا دين محدد، ولا طقوس.
ناس ينظرون إلى أعلى دون اتفاق على ما يرونه.
بعضهم يرى نورًا، بعضهم فراغًا، وبعضهم يرى نفسه.
قال صوت هادئ:
الإيمان ليس يقينًا، بل شجاعة العيش دون ضمان.
عندما أُغلقت الأبواب، توقفت الأنفاس.
صعد المصعد أخيرًا…
ثم توقف.
لا صوت. لا أزرار. لا أرقام.
انفتح الباب.
الطابق السابع: السماء
لم يكن مكانًا.
كان سكونًا.
لا جدران، لا أرض، فقط وعيٌ صافٍ، كمرآة بلا إطار.
لم أجد أحدًا… إلا نفسي، بلا اسم، بلا تاريخ، بلا خوف.
فهمت حينها:
أن الطابق السابع
ليس صعودًا، بل عودة.
سمعت الصوت الأخير، يشبه صوتي لكنه أصدق:
من عرف نفسه، بلغ الطابق السابع.
عندما خرجت من المبنى، لم أجد المصعد، ولا الحارس، ولا الطوابق.
وجدت العالم كما هو…
لكنني لم أعد كما كنت.
لأن من صعد إلى الطابق السابع،
لا ينزل…
بل يرى.








































