لم تكن الأرض تُرى من نافذة المحطة كما تُرى الأوطان في الأغاني.
لم تكن أمًّا، ولا بيتًا، ولا بداية.
كانت ملفًّا مغلقًا يدور في الفراغ، وعليه ختم أحمر باهت كُتب فوقه:
(قابل للكسر).
وقفت ملك تحدّق في الكوكب الذي وُلدت فيه، كما يحدّق موظف في أرشيف قديم قبل أن يُصدر أمر الإعدام بالورق.
تعلمت، بحكم مهنتها، أن كل شيء يمكن اختصاره إلى أرقام: عدد الضحايا، نسبة التلوّث، معدل الفناء.
لكن لم يخبرها أحد كيف يُختصر الإنسان.
قال هشام ، وهو يراجع لوحة البيانات:
— آخر المدن الساحلية غرقت. لم يرسلوا نداء استغاثة… فقط تقريرًا.
كانت المحطة، “survive-7”، مشروعًا دوليًا في بدايته، ثم تحوّل بهدوء إلى مشروع نخبة.
العلماء، القادة، المستثمرون، من يصلحون للبقاء.
أما البقية، فكانوا تكلفة تشغيل.
قال هشام بصوت خافت:
— وصل تحديث من المجلس الأعلى.
ضحكت ملك بمرارة:
— هل ما زالوا يسمّونه مجلسًا؟ كنت أظنه أصبح شركة.
ظهر القرار على الشاشة:
_“بسبب الفوضى المتصاعدة على سطح الأرض، يُفعّل بروتوكول الانفصال النهائي. تُمنع أي إشارات تواصل غير مصرح بها. الأرض تُصنّف منطقة مفقودة.”
سادت لحظة صمت بدت أطول من دوران الكوكب نفسه.
همست ملك:
— منطقة مفقودة؟
استدارت نحو هشام بعينين متصلبتين:
— هم لا يهربون من الكارثة… هم يصنعونها، ثم يغلقون الباب.
اقترب منها:
— نحن لسنا في موقع يسمح لنا بالاعتراض.
— بل نحن في الموقع الوحيد الذي يُجبرنا على ذلك.
تذكّرت ملك اللحظة التي اختيرت فيها للمهمة.
لم يكن الاختيار بسبب ذكائها فقط، بل لأنها بلا انتماء سياسي واضح، بلا تاريخ احتجاج، بلا ميول “مزعجة”.
امرأة صالحة للصمت.
في تلك الليلة، وصلها بثّ أرضي متقطع.
أصوات أطفال، صراخ، ثم رجل يقول:
— إن كان أحد في السماء يسمعنا… لا تتركونا.
أغلقت ملك التسجيل، ويديها ترتجفان.
دخلت غرفة القيادة دون إذن، وفعّلت البث العام.
ظهر هشام على الشاشة غاضبًا:
— ملك، هذا انتحار سياسي.
— لا، هذا تخلي عن أرضنا .
نظرت إلى الكاميرا:
— هنا ملك خالد. المحطة ليست خلاصًا. ما يحدث على الأرض ليس كارثة طبيعية، بل قرار.
قرار بأن ينجو القليل، ويموت الكثير بصمت.
قاطعها صوت آلي:
— تحذير: بث غير مصرح به.
صرخ هشام:
— سيغلقون الأنظمة!
ضغطت الزر الأخير: إلغاء بروتوكول الانفصال.
لم يحدث انفجار.
لم يحدث شيء بطولي.
فقط…
انطفأت الأنوار.
عاد الضوء بعد دقائق، خافتًا، باردًا.
ظهرت رسالة واحدة على الشاشة:
“تم تصنيف ملك خالد: عنصر مخلّ بالاستقرار.
تم فصلها من الطاقم.
تم عزلها.”
نُقلت إلى وحدة جانبية ضيقة، نافذتها أصغر، تطل على الأرض نفسها.
جاء هشام لزيارتها للمرة الأخيرة. — لم أستطع منعهم.
ابتسمت بهدوء:
_ أعرف.
— هل تشعرين بالندم؟
نظرت إلى الكوكب الأزرق، الذي بدأت بقعه المضيئة تنطفئ واحدة تلو الأخرى.
— الندم رفاهية الناجين.
غادر هشام، وأُغلق الباب.
في الأيام التالية، استمرّت المحطة في الدوران.
استمرّ المجلس في إرسال تقاريره.
استمرّ العالم في الانطفاء.
أما ملك، فكانت تقف كل يوم أمام نافذتها الصغيرة، تراقب الأرض، وتهمس:
— لم أخنكِ… هم فعلوا.
وفي لحظة ما، لم تعد ترى سوى العتمة.
لم تُنقذ ملك العالم.
لم تُغيّر النظام.
لم تصبح رمزًا.
كل ما فعلته…
أنها رفضت أن تصمت.
وهذا، في بعض الأزمنة،
جريمة لا تُغتفر..
النهاية








































