لأنهم مخلوقين منها بيوصَّلوا رسالتهم عن طريقها؛ النار.
دَه اللي سمعته من شخص هناك في عزبة الجِن هتعرفوا حكايته بعدين، وبالمناسبة؛ مش أنا اللي أطلقت الاسم دَه على العزبة، أنا اللي لمَّا رُحت هناك لقيت اسمها كِدَه..
الحكاية بدأت لمَّا وصلت الجريدة متأخر على غير عادتي، دماغي كانت مشغولة في الحِجَّة اللي هقولها لرئيس التحرير، أصله مكلِّفني بتقرير والمفروض أسلِّمه في اليوم دَه بدري، لكن في اليوم دَه بالذات مُنبِّه تليفوني مرنِّش وراحت عليا نومة، ولمَّا صحيت وعرفت إني متأخَّر جريت على ملا وشّي، ركبت عربيتي ووصلت الجريدة وأنا لسَّه مش لاقي الحجة المناسبة، وبمجرَّد ما دخلت المكتب اللي بشتغل فيه شُفت نسرين؛ صحفية زميلتي، أوِّل ما عيني جَت عليها قُلت لها:
-حد سأل عني؟
لمَّا سألتها سابت اللي في إيدها وقالت لي:
-صباح الخير يا حازم، أنت لسَّه جاي ولا إيه؟
-بطَّلي هزار بقى، يعني شغَّالة معايا في نفس المكتب، ومش واخدة بالك إني متأخَّر ساعتين بحالهم؟
-أنا افتكرت إن عندك شغل برَّه الجريدة.
-للأسف لأ، عندي تقرير المفروض أسلِّمه لمستر أسامة أوّل ما يوصل مكتبه، التقرير لسَّه مش جاهز وزمانه دلوقت مش طايقني.
-مَتقلقش أنت لا عمرك اتأخرت، ولا شغلك اتأخّر، مفيش مشكلة لمَّا تتأخر ساعتين تلاتة في تسليم تقرير، يعني من الآخر رصيدك يسمح.
مركِّزتش مع كلامها وقعدت على مكتبي، فتحت اللاب توب وبدأت أشتغل، ومفيش ثواني ولقيت انتباهي بيتشتِّت، وده بسبب إن نسرين فَتحت تليفونها على فيديو صوت الناس اللي فيه عالي، كلهم كانوا بيتكلموا في نفس واحد، لدرجة إن كلامهم دخل في بعضه ومَبقتش فاهم بيقولوا إيه، دَه غير إني مش في مود كويس يخلّيني أسمع حاجة، عشان كده رفعت صوابعي عن الكيبورد، بصيت ناحيتها وقُلت لها بعصبيَّة:
-لو سمحتي يا نسرين، مش وقته فيديوهات وتيك توك، خليني أركِّز في التقرير عشان أقدر أخلَّصه.
عملت إيقاف مؤقت للفيديو وقالت لي:
-تيك توك إيه اللي بتتكلم عنه يابني، أنا بسمع فيديو عن عزبة بتحصل فيها حاجات غريبة.
وبدون ما أسألها عن اسم العزبة قلت لها:
-حاجات غريبة زي إيه يعني؟
-بيوت العزبة بتحصل فيها حرايق.
-وإيه الغريب في كده مش فاهم؟ ما الحرايق بتحصل من وقت ما الدنيا اتخلقت، إيه يعني بيت ولا اتنين حصل فيهم حرايق!
-أنت بتقول كده عشان مش متابع، لكن لو اتفرَّجت على الفيديوهات؛ هتعرف إن شيء غامض هوَّ اللي بيخلّي النار تولع في البيوت.
-بلاش تتوهِّمي حاجة وتصدقيها، إحنا صحفيين، يعني ناس بتدوّر على الحقيقة وبس.
-صدقني اللي بيحصل في العزبة دي ممكن يتصنَّف باعتباره من الخوارق، أو شيء من ما وراء الطبيعة.
لمَّا قالت كده أخدتني بالصيت وصادرت على كلامي بدون ما أنطق وقالت:
-تقدر تفسَّر يعني إيه دولاب هدوم يولع من نفسه؟ لأ والنار متحرقش غير رف محدَّد وتسيب باقي الدولاب، ولمَّا يطفوا النار تولع في نفس الرف تاني بدون سبب، وتفسَّر بإيه النار تمسك في بيت لحد ما تاكله باللي فيه؛ ولمَّا ينطفي النار تمسك فيه من تاني برغم إن مبقاش فيه حاجة تولع أصلًا. اللي بحكي لك عليه دَه حصل في أكتر من بيت من بيوت العزبة؛ ولسَّه بيتكرر لحد دلوقت، محدش لاقي تفسير ولا عارف سبب اللي بيحصل، الناس فاض بيها وقالوا إن الجِن بينتقم من أهل القرية.
ضحكت ضحكة خفيفة وقُلت لها:
-يعني مش كفاية إني جاي متأخّر وشغلي مش خلصان، بتضيَّعي وقتي كمان في حكايات ألف ليلة وليلة، للمرة التانية هقول لك: إحنا صحفيين، يعني عارفين كويّس إن صفحات كتير بتشيَّر محتوى مثير للجدل عشان الريتش. ممكن اللي بتحكيه ده يكون حصل فعلًا؛ لكنه محصلش بالطريقة اللي في الفيديوهات اللي أنتِ شُفتيها، اللي صوَّر واللي شيَّر حَط البهارات بتاعته عشان يطبخ طبخة ريحتها تجذب الناس وشهيِّتها تتفتح على المشاهدة.
رميت الكلمتين دول ورجعت أركِّز في اللاب توب، ومع الوقت نسيت الحوار اللي دار بيني وبين نسرين؛ لأني اندمجت في كتابة التقرير، لحد ما اتفاجئت بإيد بترزع على مكتبي، رفعت عيني ولقيت مستر أسامة واقف في وشّي، بمجرَّد ما شُفته ارتبكت، مَنطقتش بكلمة لحد ما هوَّ اللي قال لي:
-التقرير اللي المفروض أستلمه منَّك فين يا حازم؟
-معلش يا مستر أسامة؛ أصل...
-أصل إيه؟ أنت صحفي وعارف إن في حاجة اسمها سبق صحفي، ومش معقول أكلِّفك بحاجة وتتأخَّر والمواقع تسبقنا في نشرها، أنت حتى لو سلّمتني التقرير دلوقت ونزل على الموقع مش هيبقى له لازمة.
-عمومًا أنا آسف، اللي حصل غصب عني.
-عارف يا حازم، ولولا إني واثق إنك من أكفأ الصحفيين في الجريدة كنت اتصرَّفت معاك تصرف تاني، لكن دي أوّل مرَّة تحصل، كل المطلوب منك تبقى فاهم إنك ضيَّعت على الجريدة سبق صحفي، ولازم تشوف أي حاجة تعمل عنها تقرير، بشرط إنها تعمل ضجة وتعوَّضنا الخسارة اللي حصلت.
خلَّص كلامه وخرج من المكتب، مديت إيدي قفلت اللاب توب وقعدت، كنت مخنوق من جوايا بسبب اللي حصل، سرحت في الموضوع اللي ممكن أعمل عنُّه تقرير يرجَّع هيبتي قدام زمايلي، وكمان يرجَّع ثقة مستر أسامة فيَّا، وفي عز تفكيري لقيت نسرين بتقول لي:
-سرحان في إيه؟
-أكيد مش بحب وبفكَّر في اللي بحبّها يعني، ما أنتِ قاعدة وسامعة الكلام.
-تقصد إنك بتفكر تكتب عن إيه؟
-أخيرًا فهمتيها لوحدك!
-خلاص؛ تاهت ولقيناها.
-هي إيه؟
-الحكاية اللي هتكتب عنها تقرير.
لمَّا قالت كِدَه بدأت أركز معاها وسألتها:
-يا ترى إيه الحكاية اللي ممكن تعمل ضجة؟
-العزبة، جرَّب تكتب عن اللي بيحصل هناك.
كلامها نرفزني، رديت عليها بعصبية وقلت لها:
-عايزاني أكتب عن التخاريف دي؟ دَه مش بعيد لو عرضت الفكرة على مستر أسامة يقول لي شوف لَك جريدة تانية.
-تبقى غلطان لو بتفكر كده، أنت يلزمك مانشيت عريض يعمل فرقعة، ويتكتب اسمك تحته بالبونط العريض، وبعدين لو بتقول عن اللي بيحصل هناك تخاريف؛ فأحب أقول لك إن التخاريف دي هي اللي بتاكل مع الناس الفترة دي.
-يعني إيه؟
-يعني اتجاه الناس دلوقت رايح لأفلام ومسلسلات الرعب، الناس بقت بتقرأ وبتسمع الكلام ده وبقى بييجي على هواها، يعني لو عملت عنه تقرير وبقى تريند هتتنقل نقلة تانية، ده غير إنك هتكون أول حد في الجريدة يعمل تقرير من النوع ده. فكَّر واعقلها، أنا عايزة مصلحتك.
سابتني ورجعت على مكتبها، قعدت والتفكير مسابش دماغي، فضلت على الحال ده لحد ميعاد خروجي من الجريدة، أخدت بعضي ومشيت رجعت على شقتي، لمَّا دخلت قفلت الباب وقعدت على أقرب كرسي في الصالة، ومفيش دقايق سمعت صوت رسالة على الواتس آب. مديت إيدي وسحبت التليفون من جيبي، بصِّيت فيه وقرأت الرسالة من برَّه، كانت من نسرين، مقدرتش أقرأ محتواها لأن مكانش ظاهر قدامي غير رابط؛ عشان كِدَه اضطرّيت أفتح الرسالة..
لمَّا شُفت الرابط عرفت إنه يخُص فيديو على فيس بوك، فَتحته ونقلني للصفحة اللي مشيَّراه، اتفاجئت إنه لايف، كان عبارة عن شاب بشوفه لأوّل مرَّة بيغطّي خبر عن حريقة في بيت، وبحسِّي الصحفي عرفت إنه مجرد أدمن من بتوع الصفحة؛ لأن طريقة تقديمه للخبر بعيدة تمامًا عن المهنيَّة، لكن دَه مكانش يعنيني في شيء، اللي جذبني للفيديو إن نسرين باعتاه ليَّا مخصوص، في اللحظة دي ربطت بين اقتراحها وبين الفيديو، بدأت أركِّز مع الشاب دَه وهوَّ بيتكلِّم، ومن وراه ظاهر بيت بيتحرَّق ومطافي وليلة كبيرة ودوشة، ولقيت نفسي بركِن كل ده على جنب وبحاول على قد ما أقدر أسمع بيقول إيه، وساعتها لقيته بيقول:
"زي ما أنتوا شايفين في الفيديو، النار بتمسك في البيت للمرَّة التالتة؛ وبدون أي سبب، عاوز أقول لكم كمان إن البيت مفيهوش حاجة النار تمسك فيها أصلًا. واللي متابع صفحتنا يعرف إن الحكاية دي بتتكرَّر كتير في العزبة، يعني ده مش أوِّل بيت يولع، أنا شايف تعليقاتكم دلوقت في اللايف، اللي بيقول النار بتولع بفعل فاعل ومفيش جِن ولا كلام فاضي من دَه، لكن برضه مش هقدر أتغاضى عن تعليقات كتير بتقول إن الجِن السبب ورا الحرايق، خصوصًا إن الحكاية دي حصلت في قُرى وأماكن كتير قبل ما تحصل هنا.. هسيب الفيديو على الصفحة اللي ملحقش اللايف يقدر يشوفه لمَّا يفضى، وبرضه ياريت يسيب رأيه في كومنت، ويقول لنا: هل اللي بيحصل ده شيء عادي ولا بفعل فاعل ولا وراه مُتسِّبب غامض؛ واللي غالبًا هيكون الجن".
اللايف قفل من هِنا؛ ولقيت نسرين بتتصل من هنا، لمَّا ردّيت عليها قالت لي:
-حضرت اللايف؟
-أيون حضرته. عاوزة تقولي إيه؟
-عاوزة أقول لك إن الموضوع يستاهل، رأيي تكلّم مستر أسامة وتعرض عليه الفكرة، وأنا واثقة إنه هيوافق.
-يعني عاوزاني أتحوّل من صحفي حوادث وجرايم؛ لصحفي بيكتب عن جن وعفاريت بيحرقوا البيوت؟ وبعدين مين قال لك إن مستر أسامة هيوافق؟
-مفيش رئيس تحرير هيقول لأ لخبر هيعلّي الريتش في الجريدة اللي ماسكها.
بمجرَّد ما قفلت معاها عملت سيرش عن رقم مستر أسامة، رنّيت عليه ولمَّا المكالمة فتحت قُلت له:
-آسف لو بتصل بحضرتك دلوقت، بَس عايز أعرض عليك فكرة.
-اتفضل يا حازم؛ أنا سامعك.
-عايز أعمل تقرير صحفي عن العزبة اللي النار بتمسك في بيوتها بدون سبب، أعتقد دَه هيعوَّض خسارتنا للتقرير اللي ضاع من الجريدة بسببي.
-أنت عارف إني بثق فيك، وبرغم إن الخطوة دي جديدة على الجريدة لكن هدعمك؛ لأني واثق إنك هتعمل حاجة مختلفة عن اللي بنسمع عنها، بُكره لمَّا أوصل الجريدة هصرف لك بدل يكفّيك انتقالات وسكن في الكام يوم اللي هتقعدهم هناك.
قفلت معاه ورجعت للصفحة اللي كانت مشيَّرة اللايف، قضيت فيها وقت طويل وأنا بحاول أجيب الموضوع من بدايته، تقريبًا شُفت الفيديوهات القديمة عن العزبة، دَه غير البوستات اللي الصفحة نشرتها عنها، ولأول مرَّة ألاقي المعادلة مقلوبة، أصل بيقول لك لو عاوز تشوف حاجة على حقيقتها، حاول تطلع برَّه عنها وأنت هتشوفها كويّس، لكن هنا لأ، لمَّا دخلت في الحكاية شُفتها أكتر، قناعتي بدأت تتغيَّر من ناحية اللي بيحصل، معرفش ليه بقيت ميَّال لفكرة إن في شيء مش طبيعي ورا الحرايق، لكن عشان أكتب دَه في تقرير صحفي ويتنشر، لازم يكون معايا دليل على كل كلمة بكتبها.
خرجت من الصفحة بعد وقت طويل، بعد ما وصلت لاسم العزبة وعرفت طريقها، وبعد ما خرجت بدأت أبحث على جوجل ماب عن مكانها؛ ولمَّا وصلت لها عملت شير لوكيشن لنفسي، كل خطوة بعملها بتقول إني خلاص؛ شيء جوّايا خلاني آخد القرار بإني رايح هناك.
بعد ما بقى معايا المعلومات اللي محتاجها؛ جهزت شنطة سفر صغيَّرة فيها كام طقم، بعدها دخلت أنام عشان أقوم بدري وأطلع على الجريدة، وفعلًا؛ أخدت شنطتي وركبت عربيتي بدري ووصلت مكتبي قبل أي حد، مكانش موجود غير الساعي؛ اللي أوّل ما عرف إني موجود لقيته داخل عليَّا بفنجان القهوة الخصوصي بتاعي، قعدت أشرب وأنا بفكَّر هبدأ منين، الوقت فات والناس بدأت تيجي على الجريدة، ومنهم نسرين اللي دخلت عليَّا المكتب وهي بتقول لي:
-صباح الخير يا حازم.
-صباح النور.
لمَّا ردّيت عليها الصباح قالت لي:
-اللي يتلسع من الشوربة.
-اخلصي يا نسرين؛ لسانك بيرمي على إيه.
-بعد اللي حصل امبارح جاي النهاردة بدري، بَس طالما قدامك فنجان القهوة الخصوصي ومركِّز، يبقى بتفكَّر في حاجة مهمة.
-بعيد عن الشوربة اللي دخلتي عليَّا بيها، أيون في حاجة مهمة، أنا اتكلِّمت مع مستر أسامة بعد ما قفلت معاكي، وخلاص وافق إني أعمل تقرير صحفي عن العزبة اللي أنتِ عارفاها.
الحماسة أخدتها لمَّا سمعت كلامي وقالت لي:
-حلو، وناوي تبدأ إمتى؟
-أكيد مش هتأخَّر لحد ما جريدة تانية تنشر تقرير عنها، كفاية الصفحة اللي بتشيَّر فيديوهات من هناك، واللي يظهر إن الأدمن بتاعها قاطع هناك، ومفيش في بوقّه لبانه يمضغها غير العزبة وبيوتها اللي بتتحرق من وقت للتاني، وبعدين كل ده ميهمِّنيش، اللي يهمني إننا نكون أول جريدة رسمية تتكلم في الموضوع. يعني من الآخر؛ لمَّا مستر أسامة يوصل ويصرف لي بدل الانتقال هاخد بعضي وأروح على هناك.
لمَّا خلصت كلامي معاها؛ لمحت مستر أسامة داخل من باب الجريدة ورايح على مكتبه، ولأني شخص بارع في فن اختيار الوقت؛ انتظرته ربع ساعة لحد ما يشرب قهوته، بعدها أخدت بعضي وخرجت من مكتبي، وقدام مكتبه؛ وقفت وخبطت على الباب، انتظرته لحد ما أذن لي إني أدخل، دخلت وأوِّل ما شافني صبَّحت عليه، رد عليَّا الصباح وقال لي:
-اقعد يا حازم على ما أكلِّم الحسابات تعمل لك ورقة البدلات اللي اتفقنا عليها امبارح.
قعدت لحد ما الإجراءات خلصت، بعدها أخدت بعضي ورُحت الحسابات عشان أصرف، ده طبعًا بعد ما بلَّغته إني هاخد الفلوس وهنزل أركب عربيتي وأطلع على العزبة عشان ألحق أوصل بدري..
صرفت ونزلت من الجريدة، ركبت عربيتي وفتحت الشير لوكيشن واتحرَّكت، الطريق كان طويل، لكن شغفي وإصراري إني أقوم بالمهمة دي هوِّن عليَّا ملل السواقة..
وصلت العزبة قبل أذان العصر، ولأني غريب عنها وأوّل مرَّة أدخلها؛ لجأت لأوِّل قهوة قابلتني، ركنت عربيتي ونزلت، دخلت القهوة واخترت ترابيزة فاضية، ويادوب قعدت ولقيت صوت بيرن في ودني وبيقول لي:
-أأمرني يا باشا، سُخن؛ ساقع؛ شيشة، تحت أمرك.
رفعت عيني ناحية اللي بيتكلم، كان شاب صغيَّر شايل صينية عليها كوبايات فاضية، رديت عليه وقُلت له:
-قهوة سادة لو سمحت.
-حمامة يا باشا.
انتظرته لحد ما يجيب القهوة، وفي الشوية دول؛ عيني كانت رايحة جاية في كل مكان، كنت بحاول ألمح أي حاجة غريبة، أو أسمع أي حد بيقول أي حاجة عن اللي بيحصل، لكن اتضح لي إن كل شيء طبيعي؛ لدرجة شكّيت إني وصلت عزبة غير اللي أنا عاوزها؛ لكن إزاي، أنا بعيني قارئ اسم العزبة بالبونط العريض على يافطة في مدخلها..
بدأت أهدى وأقنع نفسي بإن كل حاجة بتيجي في وقتها، شوية صبر وكل حاجة هَتبان، وفضلت على الحال ده لحد ما صبي القهوة حط فنجان القهوة على الترابيزة وجنبه كوباية ميَّه وقال لي:
-تأمر بحاجة تانية يا باشا؟
ردّيت عليه وقلت له:
-لحظة لو سمحت؛ مَتعرفش حد هنا يأجَّر أوضة كام يوم.
بَص لي من فوق لتحت وكأنه بيحاول يعرف مغزى سؤالي وقال لي:
-طلبك إيه يا باشا، محسوبك مانو، رسِّيني عشان أرسِّيك.
-أنا صحفي، وجاي هنا عشان أكتب عن اللي بيحصل في العزبة، ولأني هقعد هنا كام يوم هحتاج مكان؛ أوضة على الأقل.
قرَّب منّي وهمس في ودني وقال لي:
-تقصد إن حضرتك جاي تكتب عن اللي بيحصل هنا في عزبة الجن؟
-برغم إن مُش ده اسم العزبة بتاعتكم، ولكن خليني أمشي معاك لآخر الطريق، أيون جاي أكتب عنها، تعرف إيه عن اللي بيحصل هنا؟
قرَّب منّي أكتر وقال بصوت واطي:
-الجِن يا باشا، ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم.
-لأ اهدى عليَّا كِدَه ومتاخدنيش في دوكة، بلاش تحكي لي الحكاية من على الوِش، أنا عايز تفاصيل، ليه الجِن بيحرق البيوت زي ما أغلب الناس بتقول؟
-محدّش يعرف يا باشا، الحكاية بدأت بحريقة عادية زي ما بيحصل في أي مكان، لكن الحرايق بتتكرر، البيت اللي بيولع وينطفي بيولع تاني وتالت، دَه غير دواليب هدوم النار بتخرج منها، سراير بتتحرق دونًا عن الحاجة اللي حواليها، في شيء بيولَّع النار وبيسيطر عليها عشان تحرق حاجة معيَّنة، ولا مؤاخذة، مفيش حد يقدر يتحكّم في النار غير الجِن؛ لأنهم مخلوقين منها زي ما أنت عارف.
-كل اللي بتقوله زي الفل، بَس دي مش معلومات كفاية، عايز أعرف السبب اللي يخلّي الجِن يعمل كِدَه، دَه لو مكانش في سبب منطقي ورا اللي بيحصل ولسَّه مفيش حد قادر يوصل له.
-المنطق بيقول إن دي أفعال الجِن، الناس هنا كلها مقتنعة باللي بقوله، لدرجة إن العزبة هنا الناس بقت تقول عليها عزبة الجِن.
-طيِّب مفيش حد حاول يشوف شيخ يحِل الموضوع، أو يتوسَّط بين أهل العزبة والجِن اللي بيعمل كِدَه؟
-ومين قال لك إن دَه محصلش، العزبة دخلها أكتر من شيخ، كل شيخ يدخل بيت اتحرق يخرج ويقول الحكاية خلصت، لكن بنتفاجئ إن البيت اتحرق من تاني، الناس خلاص جضَّت يا باشا، ومعادش بيدخل العزبة غير شوية العيال بتوع صفحات الفيس، بييجوا يعملوا لايفات، ودول زي ما أنت عارف لا بيقدّموا ولا بيأخَّروا، عايزين يجيبوا مشاهدات وبس. حرايق مالهاش أوّل من آخر حصلت في شهر، العزبة كلها فقدت الأمل إن الحكاية دي تخلص.
-على كِدَه الحكاية معقَّدة أوي.
-زي الجبل يا باشا، اللي ظاهر منها جزء بسيط، لكن الجزء الأكبر والغامض منها مدفون في الأرض، لسَّه محدش عارف يوصل له.
-طمِّنتني يا مانو؛ الله يطمِّن قلبك.
قلتها في سرّي وأنا بفكَّر في التقرير اللي باظ من أوله، واضح إن اللي هسمعه من الناس هنا مش هيختلف كتير عن اللي سمعته من مانو، وطبعًا المعلومات دي مش هتنفع ببصلة في التقرير..
قطعت كلامي مع نفسي وقُلت لمانو:
-عندك مكان يتأجر كام يوم؟
-موجود يا باشا، انتظر ثواني بس وهاجي أوصَّلك.
حطيت حساب القهوة على الترابيزة وانتظرت لحد ما لقيته بيقول لي:
-يلا يا باشا، هنتوكل على الله.
خرجنا من القهوة وركب معايا العربية، مشيت على الوصف اللي كان بيقوله؛ لحد ما وقفنا قدام بيت من أربع أدوار، بصِّيت للبيت وقُلت له:
-دَه البيت؟
-بُص يا باشا؛ البيت ده كله ساكن وأصحابه مش ساكنين فيه، يعني هتاخد راحتك فيه على الآخر.
-ولمَّا البيت كله ساكن، أنا هسكن فين؟
-يا باشا أنت طلبت مكان تقعد فيه كام يوم، والبيت دَه فيه أوضة فاضية على السطوح.
مانو مكدِّبش خبر، خلَّص لي موضوع الأوضة مع صاحب البيت، حجزتها أسبوع ودفعت الإيجار مقدّم كمان، وطبعًا مانسيتش أعطي مانو اللي فيه النصيب. وعلى المَغرب كنت في الأوضة وحاطط شنطتي، بعدها دخلت الحمام الصغيَّر اللي في الأوضة عشان أغسل وشّي بعد المشوار الطويل اللي قطعته، ويادوب وقفت قدام الحوض والصريخ ضرب، خرجت من الأوضة وجريت ناحية سور السطوح، بصيت في الشارع ولقيت الناس كلها بتجري في ناحية واحدة؛ ولما عيني راحت للناحية اللي بيجروا ناحيتها؛ لمحت نار ماسكة في بيت على أوّل الشارع، تلقائيًا إيدي راحت ناحية تليفوني، سحبته من جيبي وبدأت أصوَّر فيديو، وبعد ما وثَّقت اللي حصل أخدت بعضي ونزلت الشارع، مشيت ناحية الحريقة، ولمَّا وصلت اكتشفت حاجة غريبة..
في العادة؛ لمَّا حاجة زي دي بتحصل النَّاس بتبدأ تطفّي النار لحد ما المطافي توصل، لكن اكتشفت إن الناس واقفة ومفيش حد بيحاول يعمل حاجة، كلهم كانوا منتظرين المطافي، ساعتها قرَّبت من واحد من اللي واقفين وقلت له:
-ليه الناس واقفة ساكتة؛ ليه مفيش حد بيحاول يطفّي النار؟
وبدون ما يلتفت ناحيتي رَد عليَّا وقال لي:
-مين اللي يقدر يقرَّب من نار الجِن السبب فيها، دلوقت المطافي توصل وتتعامل زي كل مرة.
وقفت أراقب اللي هيحصل، وبعد شويَّة المطافي وصلت وبدأت تتعامل فعلًا. لفت انتباهي شيء غريب، النار لمَّا بتنطفي من مكان كانت بترجع تاني، الوقت بدأ يفوت على الحال دَه؛ لحد ما سمعت وسط الدوشة صوت مش غريب على ودني، ساعتها انتبهت لشاب بيصوَّر الحريقة فيديو وبيقول:
"حريقة جديدة في العزبة، وزي ما أنتوا شايفين؛ كل ما النار بتنطفي في مكان بتولع فيه من تاني، أنا موجود في قلب الحدث، من وقت للتاني هعمل لكم لايف عشان تشوفوا الجديد، ومنتظر الكومنتات، ياريت كل واحد فيكم يقول وجهة نظره، الحريقة بفعل فاعل؛ ولا بسبب الجِن زي ما أهل العزبة بيقولوا"..
مأخدتش وقت طويل عشان أعرف إنه أدمن الصفحة اللي بتغطّي الحرايق اللي بتحصل هنا، استغلّيت الفرصة وقرَّبت منُّه وعرَّفته بنفسي وقلت له:
-حازم؛ بشتغل صحفي، وجاي العزبة هنا عشان أكتب عن اللي بيحصل.
بَص لي بصة مفهمتش معناها وقال لي:
-ممدوح، عندي صفحة على فيس بوك، وهوايتي أصوَّر أي حاجة غريبة بتحصل.
-لكن يعني لفت نظري إنك اتواجدت في قلب الحدث بسرعة.
-أصل أنا من منطقة قريِّبة، وغالبًا بقيت بقضّي وقت طويل هنا لأن الحرايق بتقوم في أي وقت، يعني لازم أكون قريّب.
-بَس مش غريبة إن الجِن يولَّع في البيوت ويعمل كل ده.
-إيه الغريب في كِدَه، الجِن بيعمل دَه لأسباب كتير.
-أسباب زي إيه مُش فاهم.
-جايز بينتقم لأن حد أذاه؛ جايز خيانة عهد، وجايز بسبب إن حد اعتدى على أرض تخصُّه.
-قبل ما أتابع اللي بيحصل مكنتش مصدَّق إن الجن هوَّ اللي ورا الحرايق والكلام ده، لكن أنا بخوض تجربة جديدة، عشان كِدَه جيت هنا، ومش هنكر إن قناعتي اتغيَّرت شوية بعد ما تابعت صفحتك من بداية الحرايق اللي انتشرت هنا، بس حكاية إن حد اعتدى على أرض تخص الجِن دي مش داخلة دماغي.
-وإيه اللي يخلّيها متدخلش دماغك؟
-لأن لو أرض العزبة تخصُّه؛ فهي تخصُّه من زمان مُش من دلوقت، يبقى ليه بينتقم في الوقت ده بالذات.
-يعني لو استبعدنا الفرضيَّة دي، فأكيد هيفضل اتنين، الانتقام؛ وخيانة العهد.








































