آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة محمد شحاتة
  5. قسم الجراحة
⭐ 0 / 5

هتستغربوا لما تعرفوا إني شخص مش بيحب ريحة البنج، وهتستغربوا أكتر لما تعرفوا إني طبيب جرَّاح، يعني أغلب وقتي بقضيه في المستشفيات، وبالتحديد أقسام الجراحة والعمليات، ده اللي هيخليكم تستنكروا الطبع اللي فيا، وفكرة إني بكره الريحة دي، بس عاوز أقول لكم إني بكره الطب عمومًا، برغم إني ماهر في الجراحة جدًا، بس كل الحكاية إن المهنة قلبت معايا بشيء روتيني ومُمِل، كل يوم بعمل نفس العمليات، اللي بيختلف بس هو مكان المستشفى، لأني وصلت لمرحلة إني بقيت طبيب مُنتدب، وبيستدعوني في عمليات معينة، بما إني يعني وصلت لخبرة كبيرة في بعض العمليات المعقدة، ده اللي بيخليني من وقت للتاني أسيب القاهرة، وأزور مستشفيات في الأرياف ومدن الأقاليم، على شان بيكون في عملية مهمة؛ ومطلوب أكون موجود.

تقريبًا كده، العمليات دي بالنسبة لي بقت زي قراية الجرايد، شيء سهل وبعمله ببساطة، وهي وده رِتم حياتي اللي بقيت بعيشها.

وفي يوم الصبح؛ وبمجرد ما وصلت مكتبي في المستشفى، استلمت تليفون من مدير المستشفى، كنت فاكر إنه تليفون روتيني من بتاع كل يوم، لأنه بعد ما اطَّمن على قسم الجراحة وإن الدنيا تمام ومفيش مشاكل؛ اكتشفت إن فيه تكليف جديد، وعرفت ده لما قال لي: "في حالة محتاجة عملية بكره، وطبعًا طلبوا وجود طبيب خبرة، ومفيش أفضل منك في الحاجات دي، وده اللي خلاني أرشَّحك".

بعد ما أخدت منه البيانات، عرفت إن المستشفى اللي هروحها موجودة في مدينة قريبة من القاهرة؛ يعني مش هقطع مسافة طويلة، دا غير إن ميعاد العملية 2 صباحًا، وعاوز ألفت انتباهكم لحاجة، أغلب العمليات بتتعمل بدري، غالبًا كده قبل الفجر، وإحنا اتعودنا على النظام ده.

مكنتش أقدر أرفض، رغم إن ده من حقي، ويقدروا يبعتوا طبيب تاني في نفس تخصصي يحضر العملية، بس بقيت واخد الموضوع من باب إن دي أرواح ناس، وبقيت أحِس إن حياة المريض متعلقة في رقابتي، دا غير إني حالف قسَم في التخرج مقدرش أخالفه.

خلصت الشيفت بتاعي في المستشفى، ورجعت على شقتي أرتاح شوية، وطبعًا مخلصتِش من هويدا مراتي، اللي بمجرد ما شافتني حتى مقالتش حمد الله على السلامة، بالعكس؛ دي قالت الموشح المعتاد، الاسطونة المشروخة إياها اللي بسمعها كل يوم، وبقت روتين يومي في حياتي زي العمليات بالظبط، على شان كده غمضت عيني وأنا سامعها بتقول لي:

-طبعًا راجع مرهق من الشغل، وهتاكل لقمة وتدخل تنام، لأن عندك عملية بره القاهرة قبل الفجر كالعادة.

ولأني مبقاش عندي طاقة أجادل مع المرضى وهويدا مراتي في وقت واحد؛ قولت لها: 

-ولما أنتِ عارفة اللي فيها إيه لازمة النكد؟.

كلامي عصَّبها؛ وده اللي خلاها تنفخ وهي بتقول لي: 

-دا بدل ما تفكر إزاي تقعد معايا شوية، يادكتور أنت بتقضي يومك بالكامل تقريبًا في المستشفى والعمليات، البيت بقى بالنسبة لك لوكاندة، وأنا بقيت بالنسبة لك زي الكرسي أو الترابيزة.

نفخت من الكلام اللي بينرفز وقولت لها: 

-أعمل إيه يعني؟ طبيعة شغلي كده، هقول للناس بطلوا تتعبوا؟ وهقول للي حياتهم مهددة ومحتاجين عمليات بلاش تعملوها وموتوا، على شان مراتي متضايقة من شغلي، أنا مفهّمك طبيعة شغلي من البداية.

رميت الكلمتين بتوع كل يوم ودخلت أنام، حتى مكانش ليا نفس آكل لقمة، قفلت باب الأوضة ورايا واتمددت على السرير بهدومي؛ بعد ما طفيت النور وظبطت المنبه على الساعة 12 صباحًا، دماغي كانت تقيلة، وده اللي خلاني أروح في النوم بسرعة، ومحستش بنفسي غير والمنبه بيرن.

قومت من النوم وظبطت الغطا على هويدا، اللي محستش بها وهي داخلة تنام في السرير جنبي، بعدها خرجت من الأوضة، دخلت الحمام وغسلت وشي على شان أفوق، ساعتها بس حسيت بجوع، دخلت المطبخ فتحت التلاجة، وطلعت أكل من اللي ينفع يتاكل على السريع، وقعدت على ترابيزة المطبخ آكل، الوقت بدأ يجري، وده اللي خلاني أكتفي بتظبيط هدوم الخروج اللي نمت بيها، وبعدها خرجت من الشقة.

نزلت الشارع فتحت عربيتي ودوَّرتها، وانتظرت شوية لحد ما تسخن، بعدها اتحرَّكت على المستشفى اللي هروحها، بالمناسبة؛ برغم إني عملت عمليات في مستشفيات كتير، لكن دي كانت أول مرة أزور المستشفى اللي هحضر فيها العملية.

كنت عامل حسابي إن المشوار ساعة، وفعلًا الطريق أخد نفس الوقت اللي عملت حسابي عليه، ولما وصلت؛ لقيت إن المستشفى قديمة واتعمل لها شوية تجديدات، وعرفت ده لأن منظرها من بره قديم، لكن من جوه كان في شوية تشطيبات معقولة يعني؛ دخلت على الريسيبشن، الساعة كانت تجاوزت 1 صباحًا، وساعتها لقيت موظف مربَّع دراعاته وحاطط راسه فوقهم ونايم، خبطت على رخامة الريسيبشن جنب راسه خبطة هادية، وساعتها فاق من النوم، بص لي وهو بيتّاوب وقال لي: 

-حضرتك عاوز كشف إيه؟ اللي موجود دلوقت طبيب عام.

ابتسمت كده وقولت له: 

-لأ أنا مش جاي أكشف، أنا دكتور سراج، الجرَّاح المنتدب لعملية النهاردة.

في اللحظة دي النوم طار من عينه، وخرج من ورا الريسيبشن وقال لي: 

-معلش يا دكتور اللي ما يعرفك يجهلك، اتفضل معايا.

مشيت وراه لحد ما وصلنا قسم الجراحة، كان في الدور التاني، ولما وصلنا لقيت القسم حاله من حال المستشفى، كان متجدد هو كمان، حتى معدات الجراحة كانت قديمة، بس حالها ماشي يعني، وقفت أبُص حواليا وبعدها لقيته بيقول لي: 

-تشرب حاجة يا دكتور؟.

رديت وأنا بحاول أتحكم في عملية الشهيق والزفير، على شان أتفادى ريحة البنج اللي مالية القسم، وبعدها قولت له: 

-لأ شكرًا؛ الدكاترة وصلوا ولا لسه؟.

-الدكتور شاكر وصل، والدكتور أحمد بتاع البنج في الطريق على وصول يعني، وطقم التمريض موجود، والمريض موجود.

بمجرد ما سمعت كلمة البنج؛ حسيت إن ريحته زادت من حواليا، برغم كده ابتسمت تاني وقولت له: 

-طيب كويس إن المريض موجد، كنت خايف يغيب النهاردة ولا حاجة.

لما قولت الكلمتين دول حسيت إن في حد بيزغزغه، بقى يضحك بطريقة هيستيرية، وبعد ما بدأ يهدى قال لي: 

-دمك خفيف يا دكتور، مريض إيه اللي يغيب بس؛ هي حصة جغرافيا.

قفلني بتعليقه على كلامي، بس مكسرتش بخاطره وعملت نفسي بضحك، بعدها سابني على شان أستعد للعملية، وده بعد ما أنا اللي طلبت منه يعمل كده.

لما خرج؛ حطيت شنطتي على ترابيزة كانت في الغرفة، بعدها فتحت الشنطة وطلَّعت منها اليونيفورم الأخضر؛ اللي بنلبسه في العمليات، ولبست الكمامة ودي كانت أهم حاجة، وبما إن لسه العملية مبدأتش، والمفروض أخلي الكمامة تحت عند رقابتي، لكني لبستها على مناخيري، على شان تخفف ريحة البنج اللي بشمها، كل ده كان بيحصل وأنا في لوحدي في الغرفة، مكنش في غيري، وده اللي خلاني أستغرب إن الباب اتفتح واتقفل.

بصيت ورايا ناحية الباب؛ على شان أشوف مين وصل من الدكاترة، بس اتفاجأت إن الأوضة فاضية، قولت يمكن ده باب تاني وبيتهيّأ لي، كبرت دماغي وبصيت للشنطة من تاني، بس الصوت اتكرر، المرَّة دي كنت مركّز؛ لدرجة إني متأكد من إن ده صوت باب الأوضة اللي أنا فيها، الحكاية أثارت فضولي لدرجة إني سيبت استعدادي للعملية، وبدأت أتحرك ناحية الباب، لما قربت منه فتحته، وبصيت في الممر برَّه، كان فاضي ومفيش أثر لأي حد رايح أو جاي، قفلت الباب من تاني، وقولت أستعد وأنا باصص ناحيته، لحد ما أشوف إيه الحكاية، لكن اللي حصل كان عكس توقعي، الصوت اللي سمعته المرة دي مكانش من الباب، دا كان من ترابيزة العمليات اللي المريض بينام عليها، واللي لقيتها اتحرَّكت من مكانها كأن في حد بيزقها!

أول مرَّة جسمي يتلبّش بالطريقة دي، لأن اللي بيحصل قدامي كان جديد عليا، أنا نايم كويس وفي قمة تركيزي، يعني مش هقدر أفسَّر اللي حصل بإني مرهق وإن كل دي تخيلات، بدأت أقرَّب من الترابيزة ورجلي مُش شيلاني، كنت بقدّم رجل وبأخر التانية، لأن الترابيزة كانت لسه بتتحرَّك حركة بسيطة لقدام وورا، واللي كان واضح إن في حد أنا مش شايفه، وكان ماسكها وقاصد يحركها بالطريقة دي.

بمجرد ما وصلت عندها، نور الكشافات اللي فوقها بدأ يفصل ويشتغل من نفسه، عارفين فكرة الطفل لما يلعب في زرار النور، ده أقرب تشبيه للي كان بيحصل وقتها.

بدأت ألِف حوالين نفسي، لأن الحكاية كبرت؛ وبقيت حاسس إن في حد معايا في الأوضة ومُش قادر أشوفه، لدرجة إني نطقت بصوت مسموع وأنا بقول بكل خوف: 

-مين؛ مين اللي هنا؟.

الإجابة الوحيدة اللي لقيتها على سؤالي؛ هي إن كل حاجة في أوضة العمليات اتحركت، ترابيزة العمليات والأجهزة، حتى ستاير الشبابيك اتحركت؛ وكأن في هوا شديد داخل من برَّه وبيزقها في طريقه، بدأت أجري يمين وشمال من الرعب اللي حسيت به، ومن ضمن الاتجاهات اللي جريت ناحيتها هي الستاير، مسكتها وبعدتها عن مكانها، ولقيت إن الشبابيك مقفولة، يعني مفيش أي مصدر هوا يخليها تتحرك بالشكل ده، راجعت تفكيري في موضوع الستاير، وسألت نفسي؛ يعني لو الشبابيك كانت مفتوحة والهوا هو اللي بيحرك الستاير، إيه اللي ممكن يحرَّك ترابيزة العمليات والأجهزة من مكانها؟

مقدرتش أتحمل اللي بيحصل، لأول مرة أخاف من أوضة العمليات بالشكل ده، أنا كنت دايمًا أسمع إن المرضى اللي بيباتوا في المستشفيات؛ بيتكلموا عن إن في حاجات غريبة بتحصل، لكن إحنا كأطباء مش بنصدق الكلام ده، ما إحنا ياما قعدنا في المستشفيات أكتر منهم، لا شوفنا حاجة ولا حاجة حصلت لنا، وكنا بنفسر كلامهم ده وبنقول هلاوس التعب والأدوية، لكن إيه تفسير اللي بيحصل معايا دلوقت ده؟.

خرجت من الأوضة بدون ما أفكر، منتبهتش إني بجري غير بعد ما خرجت وقفلت الباب ورايا، بس خطواتي وقفت واتجمّدت في مكاني؛ لما شوفت واحدة في الممر وضهرها ليا، كانت ماشية بخطوات بطيئة زيادة عن اللزوم، أول حاجة جت في بالي؛ هي إنها من فريق التمريض اللي هيكون في العملية، بما إنها يعني موجودة في القسم وعند أوضة العمليات نفسها، وده اللي خلاني أستعيد هدوئي وأقول لها:

-ممكن لحظة لو سمحتي؟

في الوقت ده خطواتها وقفت، عرفت إنها سمعتني واستجابت لطلبي، بس الغريبة إنها مبصَّتش تشوف مين اللي بيكلمها، فضلت واقفة وضهرها ليا، ودي كانت من ضمن الحاجات الغريبة اللي حصلت معايا، يعني إيه حد تنده عليه ويستجيب لك، ويفضل واقف وعاطيك ضهره؟!

اللي حصل قدامي؛ خلاني أعيد عليها طلبي، لكن ده مغيَّرش حاجة من الواقع، الوضع فضل كما هو عليه، فضلت واقفة ضهرها ليا ومتحرَّكتش، ده اللي خلاني أدقَّق فيها أكتر، واكتشفت إنها لابسة أبيض، أي نعم هو نفس لون لبس التمريض، لكن الفرق هنا إن ده يونيفورم مرضى مش ممرضة.

أول حاجة جت في بالي، إن دي مريضة وخارجة من أوضتها ورايحة الحمام، واللي أكد ده هي خطواتها البطيئة، وده شيء طبيعي، ولما ندهت عليها وقفت ومقدرتش تلتِفت، يمكن جرح عمليتها بيمنعها من إنها تبص وراها، أول ما التفسير ده جه في دماغي، اتحركت على شان أروح أنا قدامها، ولما بقيت واقف وشي في وشها، لقيت نفسي برجع لورا وبوقي مفتوح، وعينيا هتخرج من مكانهم من الرعب اللي حسيت به.

كانت أول مرة أشوف ملامح بالشكل ده، ملامح تبان وكأنها قناع، بس قناع غريب، تحس إنه واقعي وجزء من وشها، بوقها كان كبير ولونه أسود موصَّل بين ودانها الاتنين، والأسنان فيه لونها أبيض، دا غير إن عينيها كانت لونها أسود، حتى تجويفها كان بنفس اللون، لا ظاهر في نِن ولا أي حاجة من اللي العين بتتكوِّن منها، ده اللي خلاني أحِس إنها لابسة قناع بجد، بس أنا طبيب وأقدر أميّز الجلد الحقيقي من المُستعار، ومستحيل يكون اللي أنا شايفه ده شيء مصطنع.

بالتدقيق شوية في ملامحها وسط الرعب اللي كنت فيه، لقيت إن دي طبيعة جلدها بجد، ده اللي خلاني أرجع لورا وأنا بكتم صرخة خوف جوايا، وعاوز الأرض تنشق وتبلعني.

المسافة بيني وبينها بدأت تزيد، لأني ببساطة كنت برجع لورا بكل قوتي، لكن هي كانت ثابتة زي ما هي، متحرَّكتش من وقت ما ندهت عليها ووقفت في مكانها، وفضلت على ماهي عليه؛ بنفس الملامح، اللي اتغير بس إنها كانت بتبتسم ابتسامة غريبة، من اللي بنقول عليها ابتسامة صفرا، اللي تحس على طول إن وراها شر، فضلت أرجع وعيني عليها، على شان أتصرَّف في حال لو حصل حاجة منها، لحد ما لقيت إيد بتوقَّف حركتي، ساعتها بس وقفت وأنا بقول: يارب استرها، أكيد هلاقي نسخة تانية منها ورايا ولا حاجة، بصيت والخوف هيقتلني أشوف إيد مين دي، وأنا عامل حسابي أهرب لو اتفاجأت بأي حاجة، بس لقيته موظف الاستقبال، اللي كان بيبص لي وهو بيضحك وبيقول لي:

-مالك يا دكتور سراج، رايح فين كده؟

بلعت ريقي وأنا ببُص له والذهول مش عايز يسيبني، وبنفس الذهول برضه كنت ببُص لواحد واقف جنبه، وكان لابس نفس اليونيفورم الأخضر اللي أنا لابسه، كل ده ولساني منطقش بنص كلمة، لكن موظف الاستقبال كان بيكمل كلامه...

-دكتور شاكر اللي هيكون مع حضرتك في العملية، والدكتور أحمد بتاع البنج وصل تحت، هيجهز نفسه ويطلع، والتمريض بيجهز المريض للعملية.

معلَّقتش على كلامه، كل اللي عملته هو إني بصيت ورايا، على شان أتفاجأ إن الممر فاضي، مفيهوش صريخ ابن يومين، ومفيش أي أثر للإنسانة اللي شوفتها من ثواني، دي لو كانت إنسانة أصلًا!

على شان شكلي واسمي وسمعتي؛ حاولت أحافظ على صورتي قدامهم، مديت إيدي وسلمت على دكتور شاكر، وساعتها موظف الاستقبال سابنا ونزل تحت، ولقيت إن دكتور شاكر بيقول لي:

-منور المستشفى يا دكتور، حضرتك نار على علم.

شكرته على استقباله اللطيف، وبعدها لقيته بيتحرك ناحية أوضة العمليات، وطبيعي إني مشيت جنبه، عاوزين الحقيقة، الشكل العام إني كنت مركّز معاه ومع كلامه، وهو بيشرح لي بالتفصيل حالة المريض اللي هيعمل العملية، ودي حاجة لازم تحصل بين الطبيب المتابع للمريض والطبيب المنتدب، والحالة بالمناسبة طلعت واحدة ست، وده مكانش يفرق معايا كتير، هما ساعتين أو تلاتة بالكتير والعملية تخلص، وأمشي من المستشفى دي.

مكنتش مركز مع كلامه كويس، كنت بسمع كلمة واتنين لأ، دماغي كان مشغول باللي شوفته، يعني ليه ده حصل وإزاي، لحد ما دخلنا أوضة العمليات، وبمجرد ما حطيت رجلي فيها، لقيت نفسي بتجمّد مكاني من تاني، مش على شان شوفت حاجة غريبة أو كده؛ لأ، بس لأن كل حاجة كانت في مكانها، الأجهزة وترابيزة العمليات، كل حاجة رجعت مكانها من نفسها؛ وكأنها مكانتش متحركة من دقايق بس!

حاولت أمسك أعصابي على قد ما أقدر، لأن المريضة كانت اتجهزت خلاص، ودخلت العمليات، ودكتور البنج كان وصل، والعملية خلاص هتبدأ، وفي الحالة دي، كل فرد في الفريق بيكون في قمة تركيزه، ماهي أرواح الناس مش لعبة.

كل حاجة كانت ماشية تمام، لحد في نص العملية بالظبط، إيدي اتهزت لما شوفت ملامح المريضة، بتتحول لنفس ملامح الست اللي شوفتها في الممر، ملامح مش مفهومة، شيء بشع، بعدت إيدي عن الجرح بسرعة، لدرجة إن اللي معايا استغربوا، بس أنا لما رفعت وشي ناحيتهم، شوفتهم كلهم في نفس ملامح الست دي، المشرط وقع من إيدي في الأرض غصب عني، والدنيا بدأت تلف بيا، لدرجة إني قربت أقع في الأرض وأحصل المشرط، لكن الدكتور شاكر سَندني وساعدني أقعد على كرسي قريب، وقال لي:

-أنت كويس يا دكتور سراج؟

حاولت آخد نفسي وأتحكم في أعصابي، قولتله وأنا بحاول أتنفس بشكل منتظم:

-هبقى كويس، متقلقش، شوف المريضة على شان حياتها.

فضلت قاعد في مكاني، كل ما عيني تيجي عليهم؛ أشوفهم في نفس الشكل الفظيع اللي شوفت الست عليه، حسيت بحالة شلل غريبة مسيطرة عليا، يمكن حالة الخوف اللي سيطرت عليا هي اللي عملت فيا كده؛ مش عارف، كل اللي أعرفه إني فضلت قاعد؛ لحد الوقت ما فات والعملية خلاص كانت خلصت، والجرح اتخيَّط، والمريضة كانت حالتها مستقرة، وده اللي خلى دكتور شاكر يقرَّب مني على شان يطمّني، بس لما بص لي وهو واقف جنبي، لقيته بنفس الملامح المرعبة اللي شوفتها في الممر، وبنفس الابتسامة المخيفة اللي كانت مزودة الملامح بشاعة، وبيقول لي بصوت واحدة ست غليظ ومحشرج:

-مبروك يا دكتور سراج، العملية نجحت، الحمد لله المريضة بخير ولسه عايشة، لو كانت ماتت؛ مكنتش هتخرج الليلة دي من قسم الجراحة.

اتفزعت من على الكرسي بشكل لا إرادي، معرفش أنا اتصرفت كده إزاي بس كان غصب عني، ولقيتني بقول له بنبرة مهزوزة:

-حاسب على كلامك يا دكتور، إيه اللي أنت بتقوله ده؟

الدكتور شاكر بص لي واستغرب من كلامي وقال لي:

-مالك يا دكتور سراج؛ هو أنا قولت إيه؟ كل الحكاية إني قولت لك مبروك العملية نجحت، لأن دي تاني عملية من النوع ده تتعمل في المستشفى هنا، الحالة الأولى ماتت، والحالة دي ربنا أخد بيدّها، وطبعًا الفضل بعد ربنا يرجع لك.

حسيت إني اتسرعت في رد فعلي، أكيد أنا سمعت حاجة هو مقالهاش، لأني لما دققت في وشه تاني لقيته إنه طبيعي، أنا اللي شوفت الملامح المخيفة في وشه، وده مش غريب إنه يحصل، لأني زي ما شوفت بعيني حاجة محدش شافها غيري، يبقى أكيد سمعت منه حاجة هو مقالهاش.

اعتذرت عن رد فعلي، وبعد العملية وقبل ما أمشي من المستشفى، قعدت مع الدكتور شاكر في مكتبه شوية، وده شيء روتيني بيحصل بين الأطباء اللي مشاركة في العملية، على شان يحددوا بروتوكول العلاج الخاص بالمريض، بس بعد ما خلصنا كلام في العلاج، لقيته بيقول لي حاجة غريبة، والحاجة دي كانت عبارة عن قصة، وملخصها إن من كام سنة؛ كان في مريضة هنا بتعمل نفس العملية، المستشفى مكانتش مجهّزة للنوع ده من العمليات بشكل كفاية، ومكنش في طبيب منتدب يساعد في العملية، وكانت النتيجة إن المريضة ماتت بسبب خطأ وتقصير طبي، بس بعد كام يوم من موتها، المرضى وبعض طاقم التمريض، بدأوا يقولوا إنهم بيشوفوا شبح واحدة ست في قسم الجراحة، وبتظهر كل يوم بالليل، تقريبًا في نفس الوقت اللي المريضة ماتت فيه.

الدكتور شاكر كان بيحكى لي الحكاية وهو بيضحك، وطبعًا حمد ربنا إننا أطباء، بنحسب كل حاجة بالعلم والمنطق، على شان كده لا بنشوف أشباح ولا كلام فاضي من ده، وإننا بنقعد في المستشفيات أكتر من بيوتنا، وأكد لي إن مفيش كلام فارغ من اللي بيتقال ده.

مكنش في إيدي غير إني أبتسم، وأقول له إن عنده حق، ماهو مينفعش طبيب له اسم زي حالاتي يقول له إنه شاف الشبح بنفسه، شبح المريضة اللي ماتت من كام سنة في نفس العملية اللي عملناها من شوية، بس اعتراف زي ده، كفيل بإنه ينهي مستقبلي في الطب.

خلصنا كلامنا ومشيت من المستشفى، بس بعد ما اتعلمت حاجات كتير، إن العقل لوحده مش كفاية يحسب كل حاجة، في حاجات محسوبة ومحسومة بعيد عن العقل، ولازم نصدقها حتى لو مفيش دليل عليها، لأن الغيبيات مفيش عليها دليل ملموس، بس لازم نؤمن بها، ويمكن شبح المريضة ظهر لي في قسم الجراحة هنا، لأني الطبيب المنتدب، اللي لو كنت حضرت، أنا أو غيري يعني، كان ممكن ده يساعد في تغيير مصير المريضة.

وأنا مروح في الطريق أخدت قرار لأول مرة، وهو إني هعتذر عن أي انتداب يكون في مستشفى مروحتهاش قبل كده، ماهو المرة دي ربنا ستر، الله أعلم لو روحت مكان مروحتوش قبل كده إيه اللي ممكن يحصل، على شان كده في الفترة الأخيرة، مكنتش بقبل انتداب غير في المستشفيات اللي روحتها وجربتها، وعارف إن أقسام العمليات اللي فيها، مفيهاش حاجة وأمان، إنما أي مكان جديد، كنت بعتذر، وكانوا بيشوفوا طبيب غيري.

طبعًا القرار ده خلَّى عندي وقت فراغ أكتر من الأول، بقيت أقضيه في البيت طبعًا، وطبعًا مراتي كانت فرحانة ومش مصدقة نفسها، بالبلدي كده؛ باضت لها في القفص زي ما بيقولوا، يعني مرضى تبقى محتاجة دكتور منتدب وأعتذر، وعملياتهم تتأجل لحد ما يلاقوا دكتور منتدب غيري، وناس تتبسط وتفرح بوقت الفراغ ده، واللي هي طبعًا هويدا مراتي، فعلًا؛ مصائب قوم عن قوم فوائد.

تمت...

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب386664
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249474
3الكاتبمدونة ياسر سلمي217820
4الكاتبمدونة زينب حمدي183599
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160170
6الكاتبمدونة سمير حماد 127847
7الكاتبمدونة مني امين123590
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120388
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116685
10الكاتبمدونة طلبة رضوان116224

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02