كان صوت حاجة حديد بتترزع تحت، نسينا حكاية السكينة ونزلنا، لأن الصوت كان شديد.. اللي كان في بالي وإحنا نازلين على السلم، هو إن حد من الاتنين قرر إنه يظهر، أو بينتقل من مكان لمكان بسرعة ووقَّع حاجة غصب عنه، بس لما نزلنا تحت اتفاجئنا بحاجة غريبة، باب الشاليه كان مفتوح، بس كانت حالته نفس حالة الشبابيك اللي فوق، عليه باب حديد من القُضبان، جرينا ناحيته على شان نشوف الباب ده اتركّب إزاي وإمتى، حاولنا نفتحه بس الموضوع كان مستحيل، دا غير إن الباب لا كان فيه قفل ولا أوكرة، ويمكن ده اللي خلانا نستغرب هو مقفول إزاي، وبعد شوية قدرنا نوصل لإن الباب الحديد نازل من عقب باب الشاليه اللي فوق، والقضبان مغروزة في الأرض من تحت، ولقيتني بقول لأيمن:
-يعني إيه؟ أنا لما غمضت عيني شوية بعد ما رجعنا من برَّه وقبل ما سيف يختفي، شُفت زي حلم إن في باب من القضبان وربيع بيبُص عليا من وراه.
ساعتها رد عليا وقال لي:
-اللي إحنا شايفينه ده معناه إن الباب موجود من قبل ما نيجي، وفي حاجة خلَّته يتقفل.
-بس إحنا ملاحظناش إنه كان موجود.
-عندك حق؛ لأن الباب الحديد ده عبارة عن قضبان نازلة من عقب الباب اللي فوق، وده معناه إن القضبان دي لها مجرى في الحيطة وكانت مختفية فيه.
مكانش في أمل إن الباب يتفتح، وده اللي خلَّانا نفكر في أي مكان نخرج منه، ولأن الشبابيك فوق عليها قضبان حديد، فمكانش ينفع نخرج منها، وده خلانا نروح ناحية الشبابيك اللي تحت.
الصدمة اللي أخدناها هي إن كل ما نروح ناحية شباك كنا بنلاقي عليه قضبان، حالها بقى من حال الباب، الحكاية بدأت تبقى مرعبة بدرجة كبيرة، خصوصًا لما حسينا بحد ماشي قدام الباب، جرينا ورجعنا هناك، ساعتها شُفنا ربيع.. كان واقف على مسافة قريبة من الباب، في اللحظة دي زعقت بعلو صوتي وقُلت له:
-افتح الزفت ده يا ربيع، بلاش هزار بايخ.
كنت بدَّن في مالطا، وهو كان واقف زي الصَّنم مبيتحرَّكش، وده اللي خلَّى أيمن يقول لي:
-الواد ده مش بيسمع.
-حتى لو مش بيسمع بس شايف اللي إحنا فيه وفاهم.
قُلت الكلمتين دول ومديت إيدي من بين القضبان، فضلت أشاور لربيع على شان يفهم إننا بنقول له افتح الباب، ساعتها قرَّب مننا وحسينا بأمل إن الباب هيتفتح، لكن بمجرد ما قرَّب زق إيدي جوَّه، وبعدها سابنا ورجع ناحية أوضته!
ده التصرف اللي خلانا نعرف إن في حاجة غريبة، بدأنا نفكر هنتصرف إزاي، وفي عز الحيرة اللي كنا فيها، لقيت أيمن بيقول:
-بقول لك إيه يا عادل، تعالَ نشوف أي حاجة نكسر بها الحديد.
-حاجة زي إيه؟ وبعدين مش أنت قايل إنه فلاذ.. يعني مستحيل يتكسر.
-هنشوف شاكوش أو منشار حديد، ولا هنفضل واقفين نتفرج على اللي بيحصل؟
قلبنا الشاليه فوقاني تحتاني، بس ملقيناش أي حاجة، كان شيء غريب إن شاليه طويل عريض مفيهوش حتى سكينة، مش عارف ليه جالي إحساس إن ده مُش صدفة، أكيد اللي عمل كده شال كل حاجة ممكن تساعد في إننا نستخدمها في الخروج من هنا، وبعد ما غُلُب حمارنا زي ما بيقولوا، لقيتني بفتكر حاجة مهمة وبقول لأيمن:
-التليفونات، إحنا سايبينها على الترابيزة، تعالَ نتصل بأي حد ييجي يطلعنا من المخروبة دي، أصل ده لو هزار يبقى هزار تقيل وبايخ، وفعلًا هقطع علاقتي بسيف ووليد للأبد.
روحنا عند الترابيزة وكل واحد مسك تليفونه، وعن نفسي لما فتحت قايمة الأرقام؛ ملقتش ولا رقم على التليفون، استغربت الأرقام راحت فين وإزاي اختفت، بس لما ركزت شوية، لمحت العلامة اللي معناها إن التليفون مفيهوش شريحة، وده معناه إن في حد شالها من التليفون، بصيت لأيمن باستغراب وقُلت له:
-في حد شال الشريحة من التليفون.
بعد ما قُلت كده؛ لقيته سرحان في تليفونه ومستغرب، وبعدها قال لي:
-وتليفوني كمان نفس الحكاية.
كنا تايهين وبنلف حوالين بعض، اتحبسنا في الشاليه، والتليفونات اتشالت منها الشرايح، وزي ما يكون بدأت أطبق المثل اللي بيقول إن الغريق بيتعلق بقشاية، وبسبب ده قُلت لأيمن:
-التليفون الأرضي.
قُلت الكلمتين دول وجريت ناحية التليفون الأرضي، أي نعم مكنتش حافظ أرقام ناس أتصل عليهم، بس اللي في دماغي إني أتصل بالنجدة، وأقول لهم على اللي بيحصل، ولما يوصلوا يخرجونا من هنا، وبعدها نبقى نفهم إيه الحكاية، بس لما رفعت سماعة التليفون؛ لقيت الحرارة مقطوعة، ولحد هنا عرفنا إن مفيش أي وسيلة تواصل بينا وبين أي حد.
طلعت أجري أنا وأيمن ناحية باب الشاليه، حاولنا نكسره أو نزقه يمكن يتزحزح، بس قوتنا كانت أضعف من إنها تحرَّك الفولاذ، ولما فقدنا الأمل بدأنا نصرخ وننده بصوت عالي:
-يا ربيع؛ يا ربيع.
الغريبة إنه كان رايح جاي قدامنا في الجنينة ولا معبرنا، الدنيا ليل واللي بيحصل معانا مُش سهل، واللي زاد وغطَّى على كل ده، إن الكهربا فصلت في الشاليه كله!
محدش فينا يقدر يأكد إن كان قطع الكهربا مقصود ولا لأ، بس اللي بيحصل معانا يخلي الواحد يشك في كل حاجة، حتى لو كانت بتحصل من باب الصدفة.
لما الكهربا فصلت المكان اتقلب لقبر، ضلمة من كل ناحية ومفيش فرصة إنك تشوف صوابع إيدك، لدرجة إني كنت بتكلم مع أيمن بدون ما حد فينا يكون شايف التاني، وفي وسط الكلام لقيته بيقول لي:
-قلبي مش مطَّمن، اللي بيحصل ده مُش طبيعي.
مقدرتش أعترض على كلامه، لأني كنت حاسس فعلًا إن في شيء مش طبيعي، وده اللي خلاني سألته:
-بما إنك بتدرس قانون، تفتكر إيه سبب اللي بيحصل معانا؟
-والله يا عادل لحد دلوقت مش عايز أبعِد عن فكرة إنه مقلَب، بس مقلب بايخ وهزار تقيل، لأن لو طلع غير كده؛ أحب أقول لك إن دي هتكون نهايتنا.
بلعت ريقي من الخوف بعد ما سمعت كلامه وقُلت:
-تقصد إيه بنهايتنا؟
-نهايتنا يعني نهاية حياتنا؛ ولا عندك تفسير تاني؟
-وإيه اللي خلاك تقول كده؟
-لأن لو مكانش هزار هيبقى حاجة واحدة بس، وهي إن في حد ورا كل اللي بيحصل، وغالبًا سيف ووليد هيكون جرى لهم حاجة، وربيع ده هيطلع داهية بعد اللي عمله لما استنجدنا به، وهيكون الشاليه ده اتحول لمصيدة لسه محدش عارف إيه الغرض منها.
الحوار ده كان داير ما بينا وإحنا قاعدين على الأرض جنب باب الشاليه، وساندين ضهرنا للحيطة، بس اللي قطع كلامنا هو إننا سمعنا صوت حد ماشي في الجنينة، بس ده مكانش ربيع، لأنه كان صوت خطوات أكتر من شخص، ولأن الدنيا ضلمة ومش قادرين نشوف حاجة، مكناش عارفين مين اللي ماشي برَّه، ولا عارفين عددهم، دا غير إننا سمعنا صوت حديد بيزيَّق، ومكناش عارفين برضه إيه مصدر الصوت ده.
مكناش قادرين نجاوب على أسئلة كتير في دماغنا، خصوصًا لما سمعنا صوت بوابة الشاليه اللي برَّه بتتفتح، وبعد شوية لقينا حاجة نوَّرت فجأة وطفَت نورها من تاني، الموضوع مأخدش أكتر من ثانية، بس كانت كفيلة بإنها تنوَّر الجنينة وتكشف المساحة اللي بين الشاليه والبوابة، ثانية واحدة بس خلتنا نشوف البوابة وهي مفتوحة وفي عربية واقفة قدامها، وكان ربيع واقف وشُّه ناحيتها، ومقدرناش نشوف أكتر من كده، بس الثانية دي أثبتت إن ربيع لُغز، وعلى دراية بكل حاجة بتحصل هنا، وعارف مكان سيف ووليد، والثانية اللي المكان نوَّر فيها نقلتنا نقلة تانية، نقلة مرعبة وفتحت باب تفكيرنا على ناحية غير مرغوب فيها، وهي إن في حاجة بتتم هنا؛ وإن الحكاية مش هزار تقيل أو مقلب زي ما كنا فاكرين.
كل حاجة بتحصل في الضلمة بتكون مخيفة، خصوصًا لو مش مفهومة، ويمكن بقول كده لأن لما الضلمة رجعت من تاني؛ صوت الخطوات رجع معاها، وسمعنا صوت التزييق تاني، الصوت كان رايح جاي، بيقرَّب وبيبعد، والخطوات كانت سريعة، زي ما يكون في ناس بتجري أو في مهمة مطلوب إنهم ينتهوا منها بأسرع وقت، وفي عز ما كنت بحاول أفهم أو أخمِّن اللي بيدور من حوالينا؛ سمعت صوت أيمن بيقول:
-على فكرة يا عادل؛ الشاليه ده شكله مسكون.
من وقت ما بدأ يحصل معانا حاجات غريبة، والتفكير ده عمره ما خطر على بالي، وده اللي خلاني أسأل أيمن سؤال:
-إيه اللي خلَّاك تقول كده؟
-أومال تفسر بإيه اللي بيحصل معانا ده؟ ضلمة وأصوات وحركات مش مفهومة، ولما كشاف العربية نوَّر وانطفى مشوفناش في الجنينة غير ربيع، أومال الأصوات دي كلها جاية منين.
-ده معناه إن مش أنت اللي بتكلمني دلوقت.
-تقصد إيه إنه مش أنا.
-أقصد لو اللي بتقوله صح؛ يبقى واحد من الجِن ولا العفاريت اللي ساكنة الشاليه هو اللي بيكلمني وبيقلِّد صوتك دلوقت.
-على فكرة مُش وقت هزار يا عادل؛ أنا بحُط كل الاحتمالات مش أكتر.
-ماهو لو افترضنا إن كلامك صح، يبقى العربية اللي لمحناها برَّه دي جت منين، مش معقول يعني الجِن أو العفاريت كانت برَّه بتتفسَّح وراجعة وربيع بيفتح لهم البوابة!
-رغم إن طريقة كلامك فيها سخرية؛ بس فيها شيء من المنطق، أو طرف خيط.
-ازاي؟
-ربيع بيفتح لهم البوابة.
-عاوز تقول إيه؟
-عاوز أقول إن مفتاح كل اللي بيحصل هنا ده هو ربيع.
الصوت اختفى من برَّه، ولاحظنا إن ده حصل لما سمعنا صوت بوابة الشاليه بتتقفل، وبعدها كل حاجة سكتت، معادش في غير الهدوء والضلمة، وأنفاسنا اللي كانت عالية بسبب الأدرينالين اللي بيترفع في دمنا في كل ثانية بتعدّي علينا، كنا قاعدين في نفس المكان جنب البوابة وضهرنا للحيطة، لأننا مكناش شايفين قدامنا على شان نتحرك، وكنا مضطرين نفضل كده لحد ما النهار يطلع ونور ربنا يحِل مكان نور الكهربا اللي فصلت، في الوقت ده سمعنا صوت باب بيتفتح، الصوت كان مُخيف؛ لأنه كان عبارة عن تزييق بطيء، وكان مُخيف أكتر لأنه كان جاي من جوَّه الشاليه، ولأن المكان كان عبارة عن قبر ضلمة، مكناش عارفين إيه الباب اللي بيتفتح، وليه بيعمل الصوت ده، دا غير إن الصوت قريِّب مننا، وبما إننا في الريسيبشن تحت، فمكانش في باب يتفتح غير باب الحمام اللي تحت وباب المطبخ، وده اللي خلَّى أيمن يمسك في إيدي وهو قاعد جنبي ويقول لي:
-مُش بقول لك الشاليه ده شكله مسكون!
-معتقدش يا أيمن إن اللي بتقوله ده صح.
-ومُش صح ليه؟ مُش سامع الصوت يعني؟ دا أكيد صوت باب الحمام.
مكانش عندي حجة ولا دليل يقول إن كلامه مُش صحيح، أنا وهو عاملين زي اتنين طُرش ماشيين في زفَّة، مُش سامعين إيه اللي بتقال، ولا عارفين إن كانت الأغاني متوجهة للعريس ولا العروسة، دا غير إن موقفنا هنا أسوأ، لأننا مش عارفين إيه اللي بيحصل، ولا شايفين من الضلمة اللي حوالينا، يعني كل واحد مننا في الزفة دي عبارة عن أطرَش وأعمى في نفس الوقت، وأظن مفيش حاجة أسوأ من كده.
بعد ما صوت الباب اختفى؛ سمعنا صوت خطوات ماشية في الريسيبشن، كانت قريبة بس الضلمة مكانتش مخليانا قادرين نشوف مين اللي ماشي، كل اللي فاهمينه إنها كانت بتقرَّب مننا، زي ما يكون اللي ماشي شايفنا وجاي ناحيتنا، غصب عنِّي لقيتني بمسك في دراع أيمن وجسمي بيتنفض، وهو كمان كان في نفس حالتي.
الخطوات وقفت في مكان قريب مننا، وبعدها سمعنا صوت وكأنه طباشير بيكتب على سبورة، وبعد ما الصوت اختفى؛ رجعت صوت الخطوات تظهر من تاني، المرَّة دي كانت بتبعد عن المكان اللي إحنا فيه، لحد ما سمعنا صوت تزييق الباب بيرجع من تاني، بس المرَّة دي كان بيتقفل.
فضلنا في نفس المكان بدون ما نتحرَّك، الوقت فات ومبقتش حاسس بنفسي، بس بعد شوية؛ لقيت نفسي بصحى على شعاع الشمس اللي ضرب في عيني من بين قضبان باب الشاليه، فهمت إننا نمنا في نفس المكان وإحنا قاعدين بغض النظر عن البرد والشتا، تفكيرنا في اللي بيحصل خلى شعورنا بكل ده معدوم، لحد ما النهار طلع والشمس ضربت في عيني، وساعتها أول حاجة شُفتها كانت الحيطة اللي قدامي جنب الباب، في اللحظة دي صحِّيت أيمن اللي كان رايح في النوم وساند ضهره على كتفي وأنا بقول له:
-قوم يا أيمن.. قوم شوف إيه اللي مكتوب على الحيطة!
***








































