آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة محمد شحاتة
  5. الأرض المحظورة
  • موضوع: عالي الجودة
⭐ 5 / 5
عدد المصوّتين: 2

 طول عمري وأنا بشوف الأرض دي من الشباك، أرض "الباز"؛ لكن مبقدرش أقرب منها، زي أحد من أهل القرية؛ اللي مبيقدروش يقربوا منها برضه، معرفش إن كانت حكايتها شاغلة بالهم زي ماهي شاغلة بالي، ولا الحكاية بالنسبة لهم بقت معتادة، وأنا اللي فاكرها دايمًا بحكم إن شباك أوضتي بيفتح عليها.

إحنا اتولدنا ووعينا على الدنيا، والأرض دي عليها علامة استفهام كبيرة، أهالينا بيحذرونا منها، وبيحذرونا نمشي من جنب سورها؛ خصوصًا بالليل، ولو مثلًا بنلعب كورة في الشارع، والكورة دخلت من فوق السور ننساها، محدش يدخل يجيبها، تنبيهات وتحذيرات كتير، لكن مكانش في سبب واضح، وتقريبًا أهالينا نفسهم مكانوش يعرفوا السبب، تقريبًا كده؛ الخوف من الأرض دي موروث قديم، أهل القرية ورثوه جيل ورا جيل، لدرجة إنهم بقوا يفتكروا الخوف منها، وينقلوه لأولادهم، ونسيوا السبب اللي خلَّى الخوف ده يبقى موجود.

لكن لأن كل حاجة لازم يكون لها سبب، كانوا بيقولوا لنا إن الأرض دي مسكونة بالعفاريت، لأن في وسطها قصر قديم، اتهجر من زمان جدًا، والعفاريت سكنته، وبما إن الأرض تابعة للقصر؛ فالعفاريت سيطرت عليها هي كمان، ده كان تفسيرهم أحيانًا لما يتسألوا عن السبب.

زمان؛ كنت بقتنع بالكلام ده، لكن لما كبرت مبقاش يدخل دماغي، باختصار كده؛ أنا ياما وقفت في الشباك ليل ونهار، بشوف الأرض وبلمح القصر من بعيد، لاعمري لمحت فيه شبح مثلًا، ولا شوفت عفريت ماشي فيها، دا مجرد قصر مهجور وحواليه أرض واسعة، وفي بلاد وقرى كتير بنشوف حاجات زي دي، لكن اتربينا على إن دي أرض محظورة وخلاص، إيه السبب محدش يعرف.

الحكاية سيطرت على تفكيري بشكل كبير، لدرجة إني بقيت بقضي وقت طويل قدام الشباك، يمكن ألمح حاجة تفسر لي اللي بيحصل، زي ما أنا بحكي لكم دلوقت وأنا قدام الشباك دلوقت، عيني على القصر اللي تقريبًا الضلمة مش مخليَّاه ظاهر، لأنه طبعًا مهجور ومفيش فيه إضاءة، حاله حال الأرض اللي حواليه، في الوقت ده؛ أمي دخلت عليا، ولقيتها بتقول لي:

-مُش هتبطَّل تقف قدام الأرض دي يا "وائل"؟ يابني خايفة عليك تتمَس ولا حاجة تلبسك، إحنا مش ناقصين.

معرفش ليه حسيت إن كلامها ساذج، لدرجة إني قولت لها:

-بقى عندي 15 سنة، وطول عمري ببُص للأرض، كان حصل إيه يعني؟

-متقاوحش يابني، أنت بس شايف نفسك كبرت ورجلك شالتك.

-طيب قولي لي على حد شاف عفريت في الأرض دي، أو اتلبس مثلًا زي ما بتقولي.

-يمكن من سنين طويلة مفيش حاجة حصلت، بس زمان الناس كانت بتموت لو دخلتها، محدش حتى بيلحق يقول هو شاف إيه جوه، حتى بيموتوا موته غريبة؛ وشكلهم بيبقى مخيف.

-وطبعًا ده سبب إن مفيش حد بيقرَّب منها ولا من القصر، حتى الورثة بتوعها نسيوها.

-مين اللي هيقرَّب من أرض ملعونة ومسكونة زي دي، اقفل الشباك ربنا يهديك وشوف مذاكرتك.

عملت زي ما طلبت مني، مش لأني مقتنع بكلامها أو مصدقه، لكن على شان تشيلني من دماغها؛ ومتفضلش رايحة جاية عليا، ولما حسيت إنها نامت والدنيا بقت هادية، فتحت الشباك؛ ورجعت أفكر في الحكاية من تاني.

معرفش لي جدي خطر على بالي، حاجة في بالي قالت لي إنه ممكن يكون عارف حاجة عن الأرض دي، وعلى الرغم من إنه معمِّر، وعمره فوق ال 100 سنة، وذاكرته بعافية شويتين، وفاقد النطق، لكن قولت يمكن يفيدني بحاجة عن الأرض، أو يكون عارف معلومة محدش عارفها، يقدر يوصَّلها لي من خلال إشارة أو حاجة، مهما كان هو مولود في القرية من أكتر من قرن، يمكن يكون عارف سبب الخوف اللي مسيطر على الناس لحد دلوقت.

بعد أذان الفجر، أخدت بعضي ونزلت الشقة اللي تحت، اللي عايش فيها جدي، دخلت وصبَّحت عليه، وهو كالعادة كان بيبُص لي بس، إحنا اتعودنا عمومًا إنه بقى معتمد على النظر في كل حاجة، لدرجة إننا بقينا نفهمه من نظرته، وبعد ما عرفت من عينه إنه بيرد عليا السلام، قعدت جنبه، وبعدها قولت له:

-في حاجة شاغلة بالي، عارف إن عندك إجابة على أسئلتي، بس معرفش هتقدر ترد عليا ولا لأ.

نظراته ليا كانت بتقول لي أكمِّل، على شان كده كمِّلت وسألته:

-إيه حكاية أرض "الباز"؟

فجأة نظرات جدي اتغيرت، زي ما يكون شاف ملك الموت داخل عليه، مع نظراته اللي اتغيرت فجأة، واتحولت لنظرات كلها رعب وخوف، لقيته بيرفع كف إيده وكأنه بيطلب مني أقفل الموضوع، لكن الفضول اللي جوايا؛ كان أكبر من إني أستجيب للي هو عاوزه، بيني وبينكم، حسيت إن الهلع اللي ظهر عليه وراه إجابة على سؤالي، بس هو لو يتكلم، كان حكى لي، لكنه للأسف، مبيتكلِّمش من قبل ما اتولد بفترة طويلة.

حاولت معاه كتير، لكن رد فعله متغيَّرش، وحسيت من نظراته إنه عايزني أمشي، ده اللي خلاني أقوم وأسيبه، طلعت على فوق، على شان أفطر وأجهز للمدرسة، جهزت نفسي وأخدت شنطتي ونزلت، وقبل ما أخرج من البيت، عيني جت على جدي، اللي كان قاعد وبيبُص لي بطريقة غريبة، قولت في نفسي: رد فعل طبيعي، لأني سألته عن حاجة القرية كلها بتخاف منها.

خرجت من البيت وأخدت طريقي للمدرسة، بس معرفش ليه كنت متعمِّد أمشي من جنب سور الأرض، يمكن كنت بتحدَّى الخوف، أو بحاول أثبت لنفسي إن كل اللي بيتقال شوية خزعبلات، ناس زمان اخترعوها وناس دلوقت صدَّقتها، لكن الموضوع كان عادي، زي كل مرة، برضه لا شوفت حاجة ولا لمحت حاجة من الكلام اللي منتشر عن الأرض، لحد ما وصلت المدرسة، واليوم الدراسي بدأ والحصص اشتغلت، بس عقلي كان في عالم تاني، حتى "شريف" زميلي اللي قاعد جنبي أخد باله وقال لي:

-مالك النهاردة يابني، مش مركِّز مع الشرح، ودماغك تايهة منك على الآخر.

مكنتش أقدر أتكلم معاه في السبب، دا لو حد من المدرسين سمعني؛ ممكن يطردني برَّه المدرسة، الكلام عن أرض "الباز" أو الأرض المحظورة بقى عبارة عن جريمة، لازم اللي يرتكبها يتعاقب، ده اللي خلاني أحط لساني في بوقي وأقول له:

-مفيش؛ كل الحكاية إني منمتش كويس.

كنت منتظر جرس الفسحة بفارغ الصبر، ولما الفسحة بدأت، فضلت قاعد في مكاني ومخرجتش من الفصل، لحد ما كل الطلبة خرجت، ولقيت "شريف" بيقول لي:

-ماتقوم يابني، هو أنت لزقت في التختة ولا إيه؟

-لأ أنا مش عاوز أخرج.

-طيب خليني أطلع أنا.

-وأنت كمان مش هتطلع.

-إيه اللي بتقوله ده، هو أنت خاطفني ولا إيه يا عم.

-عايزك في موضوع.

-طيب قول وانجز لأني عاوز أروح الحمام.

-أرض "الباز".

بمجرد ما سمع الاسم، وزي ما تكون رجله انسحبت من تحت منُّه، وقع من طوله وقعد في مكانه من تاني، كان بيبُص لي زي ما يكون مش مستوعب أنا قولت إيه، أو مش مصدق اللي سمعه، فضل متنَّح لحد ما قولت له:

-هتفضل متنَّح كتير؟ انجز الفسحة قربت تخلص.

بلع ريقه وهو لسه مذهول وقال:

-إيه اللي جاب السيرة دي دلوقت؟

رديت عليه وأنا مستغرب وقولت:

-سيرة؟ دي حتة أرض في القرية، زيها زي أي أرض، والقصر اللي فيها كل حكايته إنه قصر قديم، أصحابه نسيوه، والناس زمان عملت من الأرض دي حكاية وإحنا صدقناها.

-أيون برضه إيه اللي جاب سيرتها دلوقت؟

-لأنها في وش شباك أوضتي، بصحى وبنام عليها، على طول في دماغي، ومش قادر أقتنع بكل اللي بيتقال ده.

-وافترضنا إنك مش مقتنع، هتعمل إيه يعني؟ هتمشي على كل بيت تقولهم إن الأرض مفيهاش حاجة؟ وإنهم صدقوا أوهام اتقالت زمان؟ وافترضنا عملت كده، تفتكر هيصدقوك؟ وهينسوا إن كل اللي دخلها مات بطريقة مخيفة، بالعكس، الناس هنا بيقدسوا كل حاجة ورثوها، عادات وأفكار، سواء كانت صح أو غلط، كل ما هتكلم واحد هيقول لك :هذا ما وجدنا عليه آباءنا.

-معنى كلامك إنك زيك زيهم.

-لأن دي الحقيقة، أنت مش هتغيَّر الكون، ولا تعرف تقنع الناس إنهم يكذبوا حاجة فتحوا عينهم ولقوها موجودة، وأهاليهم كمان صدقوها، وبعدين بقى أنا جدي الله يرحمه كلمني مرة عن الأرض دي، وقال إن اللعنة اللي فيها أخدت أعز أصحابه.

-اسكت متقولش جدك على شان مفتكرش جدي؛ الصبح بسأله عن الأرض حسيت إن عينه هيطلع منها نار تحرقني.

-طبيعي يابني، ما أنت عارف اللي فيها، وبعدين رايح تسأل جدك، هو جدك بيتكلم أصلًا؟

-لأ؛ بس قولت جايز على شان عمره فوق ال 100 سنة يكون عارف حاجة محدش عارفها، يمكن أفهم من نظراته أي حاجة زي ما إحنا متعودين.

-وفرضًا لو يعرف، تفتكر هيقول لك؟ يابني اقفل الموضوع ده بقى، يخرب بيتك نسيت أروح الحمام.

-بقولك إيه يا "شريف".

-انجز.

-أنا عايز أدخل الأرض دي.

-أنت شارب حاجة على الصبح يا "وائل"؟ أرض إيه اللي عاوز تدخلها.

-أرض "الباز".

الفسحة انتهت، وكلامنا انتهى معاها، لكن الفكرة جوايا كانت لسه مكمِّلة، ده اللي خلاني أكمل كلامي مع "شريف" بعد المدرسة وأقول له:

-أنا هدخل وهثبت للقرية كلها إن خوفهم من الأرض دي كلام فارغ.

في اليوم ده؛ نويت خلاص إني أدخل الأرض، وعلى شان محدش من أهل القرية ياخد باله؛ قررت أدخل من السور الخلفي، على علمي يعني إن هناك في حتة مكسورة من السور، أقدر منها أدخل الأرض وأوصل للقصر، وبعد المغرب؛ بلَّغت أمي إني هروح أذاكر مع "شريف" شوية، ولأني أوِّل مرة أعمل حاجة زي دي؛ كان لازم أمي تستغرب، لكنها وافقت على شان الامتحانات على الأبواب، خصوصًا لما قولت لها إن عنده ملخَّصات محتاج أذاكر منها، وطبعًا لما وافقت إني أروح، منسيتش تنبِّه عليا وتقول لي: "ابعد عن سور أرض الباز".

على السلم وأنا نازل، جدي كان بيبُص لي بصة غريبة، يمكن لو بيتكلم كان قال لي اللي جواه، لكن أنا حاسس بالخوف بياكل ملامحه من ساعة ما سألته عن الأرض، بس تجاهلت الفضول اللي جوايا ناحيته، لأن كان جوايا فضول أكبر، وهو إني عايز أعرف إيه اللي ورا السور ده، إيه حكاية الأرض والقصر؛ اللي كل الناس بتخاف منها، حتى الأطفال اللي بتتولد، بيتعلموا إزاي يخافوا من الأرض، زي ما بيتعلموا المشي كده.

خرجت من البيت؛ وأخدت اتجاه بيت "شريف"، لأني من غير ما أبُص على شبابيكنا، كنت عارف إن أمي واقفة تبُص عليا، وأي اتجاه تاني همشي فيه، هتعرف إني بكذب، لحد ما بقيت بعيد عن البيت، وبعدها أخدت الاتجاه اللي يوصلني للسور الخلفي بتاع الأرض.

لما وصلت هناك، الليل كان بدأ يدخل، بدأت أدوَّر على الحتة المكسورة من السور اللي سمعت عنها زمان، وفعلًا لقيتها، حفرة يقدر جسمي يعدّي من خلالها، ومن غير ما أفكَّر في خوف أو أحس بتردُّد؛ دخلت من الحفرة، ولأول مرة في حياتي، رجلي تلمس أرض "الباز، أو الأرض المحظورة زي ما بنقول عنها.

معرفش إيه اللي خلاني ألتِفت ورايا، لكن اتفاجأت إن الحفرة اللي دخلت منها مش موجودة، زي ما تكون اختفت، مكدبش عليكم، حسيت بخوف رهيب وأنا بسأل نفسي، إزاي أنا شايف السور سليم والحفرة اللي أنا داخل منها دلوقت مش موجودة؟

محاولتش أدوَّر على إجابة، لأني سمعت صوت حاجة ماشية جنبي، الدنيا كانت ضلمة، وكان من الصعب إني أشوف إيه اللي ماشي جنبي، ومع الوقت، عيني بدأت تاخد على العتمة، وبدأت أميِّز المكان من حواليا، كان زي ما بشوفه من شباك أوضتي، أرض فيها عُشب دبلان، لكن من مكاني ده، القصر كان قريب مني، مبنى قديم وتقريبًا ممكن ينهار في أي لحظة، بس الغريبة إن صوت الخطوات كان لسه مستمر، الحكاية كانت شاغلة بالي، لأن مكان مهجور زي ده، أكيد فيه كلاب، وجايز كمان تكون مسعورة، وبما إنهم مش متعودين إن حد يدخل هنا، ممكن جدًا يعتبروني شخص دخيل على مكانهم ويهاجموني.

بمجرد ما فكّرت في الكلمتين دول، بدأت أشوف جسم غريب بيتحرك في الضلمة، لونه كان أسود، أول حاجة جت في بالي هي إنه كلب، وبدون ما أفكر، بصيت في الأرض حواليا؛ على شان أشوف حاجة أمسكها في إيدي، وأدافع بها عن نفسي لو فكر إنه يهاجمني، لكن لقيت الخطوات قربت مني بشكل مخيف، رفعت عيني، على شان أشوف نفسي واقف قدام كيان غريب، حاجة أشبه بالتُّور، قرونه طويلة وكأنها قرَّبت تلمس بعضها وتكوِّن دايرة كبيرة، دا غير لون عينيه اللي كانوا زي اللمبتين الحُمر، حسيت إن كل جزء فيا اتجمِّد، وجسمي افتقد القدرة على الحركة، دا غير إن رجلي بدأت تنزل في الأرض كأنها بتبلعني، بعدها اتفاجأت إن في حاجة بتمسك رجلي، وبتثبِّتها في الأرض، زي ما تكون بتمنعني من الهروب، لكن هروب إيه اللي أفكر فيه أو أحاول إني أعمله، أنا جسمي متكتف ورجلي مش شيلاني، والكيان الغريب ده بيقرَّب مني، وكل ما المسافة بينا تقل، كل ما كانت حرارة الجو بتزيد، حسيت زي ما أكون قاعد قدام فرن والصهد طالع عليا، كنت حاسس إني عود حطب ناشف، ببلع ريقي ومش لاقي فيه نقطة مَيَّه.

مش قادر أوصف الفزع اللي كنت فيه، خصوصًا لما بدأ يقرَّب مني جدًا، ويمد إيده ناحيتي، زي ما يكون بيتعرَّف على المخلوق اللي قدامه، وفجأة بدأ يقول لي بصوت غليظ ومرعب:

-مين من بني آدم اللي اتجرأ ودخل الأرض المحظورة؟

زي ما يكون كان بيحقق معايا، لدرجة إن سؤاله خلاني أحس إني ارتكبت جريمة، لكن لقيت نفسي برُد عليه وبقول له:

-دي أرض عيلة الباز.

-عيلة الباز اتلعنت من سنين طويلة، اللعنة طالتهم وطالت كل حاجة تخصهم، حتى المكان اللي كانوا عايشين فيه اتلعن، واللي هو القصر بالأرض اللي أنت واقف عليها دي، وبما إن دي أرض ملعونة، فكل اللي بيدخلها بيتلعن.

حسيت إن جسمي اتملا شوك من الخوف لما سمعت كلامه، وقولت له:

-قصدك إيه بإن اللي بيدخل هنا بيتلعن؟

-عارف إيه مشكلة بني آدم؟ الفضول، ودايمًا بيصدق إن التحذيرات اللي الناس بتورثها جهل وخرافات، رغم إنها الحقيقة بعينها، زيك كده يا "وائل"، افتكرت إن اللي بيتقال عن المكان هنا مجرد كلام، رغم إن اللعنة حق على كل اللي يدخل هنا، زي ما هي كانت حق على عيلة الباز.

-يعني إيه اللعنة حق؟

-يعني اللعنة أصابتك، لكن مش هتحس بيها دلوقت.

-أنا مُش فاهم حاجة.

-ماهو أنت لازم تفهم، على شان مفعول اللعنة يشتغل، ودي مهمّتي، إني أعاقب باللعنة كل اللي يتجرأ ويدخل هنا، زي ما عاقبت عيلة الباز، وبقيت مكلَّف بحراسة الأرض دي بالقصر اللي فيها، يعني أنت لازم تعرف الحكاية، على شان تبقى تحت تأثير اللعنة.

وبدأ يحكي حكاية غريبة، لسه فاكر كل تفاصيلها، وهي حكاية عيلة الباز، أصحاب الأرض المحظورة، والحكاية باختصار كانت كالآتي... 

"كبير عيلة الباز لما اشترى القصر بالأرض اللي حواليه من زمان جدًا، قرر إنه يحفر بير ورا القصر، ليلتها حلم بحلم شاف فيه تحذير من إنه يحفر في المكان ده، لكنه اعتبر الحلم مجرد تخاريف وهلوسة، بالعكس، إصراره زاد أكتر إنه يحفر في المكان ده، وتاني يوم جاب جوز عمّال على شان يحفروا، لكن كان في حاجات غريبة بتحصل، فجأة واحد من العمال يصرخ وكأنه شاف عفريت، ويسيب المكان ويجري، والتاني يقول إنه شاف تِعبان أسود ضخم بيخرج براسه من الحفرة، وبيدخل فيها تاني، لحد ما سابوا الحفر ومشيوا ومرجعوش، وساعتها كبير عيلة الباز قرر إنه يحفر البير بنفسه. وبرغم إن أولاده منعوه من إنه يعمل كده، لكن راسه كانت ناشفة، وتاني يوم بدأ يحفر، لحد ما أنا خرجت من الحفرة ولدغته، ماهو أنا التعبان الأسود، اللي طلع يحذر العمال، وبمجرد ما اتلدغ لونه اتحوِّل للأزرق، وعروقة اتحولت للون الأسود، بلون الدَّم اللي كان بيجري فيها وقتها، ماهي اللعنة حولت لون دمه للأسود، بعدها وقع مكانه والروح خرجت من جسمه، ودي مش كل الحكاية، الأكتر من كده، إننا حكمنا على باقي عيلته باللعنة، اللي اتصاب منهم بالجنون من اللي شافه، وخرج من المكان يمشي في الشوارع، لدرجة إنه نسي اسمه، ومنهم اللي مات، الحكم إن كل اللي كانوا في المكان يكون مصيرهم الموت أو الجنون، لأنهم نبشوا في مكان محظور على البشر إنهم ينبشوا فيه، أصل اللي تحت الأرض مش دايمًا بيكون ملك اللي شاري المكان، أحيانًا بيكون له الأرض من فوق، أما تحتها، أحيانًا بيكون يخُصنا إحنا".

لحد دلوقت كل اللي فهمته؛ هو إن اللعنة بدأت بسبب الحفر في مكان كان محظور يتحفر فيه، بس إيه سبب إنه يبقى محظور؟ سؤال مكنتش عارف إجابته، لكنه كان زي اللي بيقرأ أفكاري، لقيته بيجاوبني وبيقول لي:

-بطن الأرض مليان أسرار تخصّنا، والمكان اللي كان بيتحفر بوابة لعالمنا، اللي يوصل لها هيوصل لأسرارنا ويمتلك سلطان علينا، على شان كده كان لازم كبير علية الباز يبعد عن المكان، ملك القبيلة بعتني أحرس البوابة، وأبعد عنها أي حد ممكن يوصل لها، ولو عن طريق الصدفة، وأقضي على اللي حاول يقرَّب من بوابة عالمنا وعلى النسل بتاعه، بس كان لازم المنطقة اللي حوالين البوابة تبقى أرض محظورة، على شان نبعد أي حد عن البوابة، لأن البني آدم كائن لعين، مليان فضول، وكان لازم يخاف من الأرض دي على شان يبعد، ما هو مبيقدرش على البني آدم غير الخوف، وهي دي مهمتي، زي ما مهمتي برضه إني ألعن كل اللي يدخل هنا.

أعصابي سابت أكتر ماهي سايبة، لما سمعته بيقول إنه بيلعن كل اللي بيدخل هنا، وسألته بلسان متلجلج وقولت له:

-يعني إيه تلعن اللي يدخل هنا؟ قصدك يعني إني...

مقدرتش أكمل كلامي، لكنه كمِّله وقال لي:

-نفس اللعنة اللي أصابت جدَّك، أصابتك من غير ما تحس.

مكنتش قادر أتحمل الصدمة اللي حسيت بها، يعني جدي طول السنين دي متصاب بلعنة؟ ومش مجرَّد مرض من أمراض الشيخوخة؟

في الوقت ده بس؛ عرفت ليه جدي اتفزع ورفع إيده في وشي على شان أسكت، بمجرد ما سمع اسم أرض الباز، لكن لقيت نفسي بسأل زي ما أكون عاوز أتأكد وقولت:

-تقصد إن جدي دخل هنا واتلعن؟

-كان في نفس مكانك ده، وعرف حكاية الأرض، واللي يعرف حكاية الأرض والبوابة، لازم يلاقي مصير من اتنين، يا إما الموت أو فقدان النطق، على شان ميجيبش سيرة عنها لحد، ده قانون الأرض هنا، من سنين طويلة، واللي بيدخل هنا بيتلعن، وبيموت بطريقة تخلي أي حد يخاف يقرب من هنا، جدك بس هو اللي فقد النطق، لأنه محاولش يقرب من القصر ولا البير، زي حالاتك كده، كل مكان في الأرض له لعنة مختلفة عن التاني، يمكن حظك إنك دخلت من المكان اللي دخل منه جدك، ووقفت في نفس مكانه، والمكان ده عقابه إنك تفقد النطق بإرادتك.

مكنتش مستوعب اللي بسمعه، لكني قولت له:

-تقصد إني مش هتكلم تاني؟

-وبإرادتك، هتخاف تتكلم على شان لسانك مينطقش حاجة من اللي سمعتها، على شان ساعتها هتشوفني قدامك، وجهنم الحمرا هتكون أهون من اللي هتشوفه على إيدي، هتعيش زيك زي جدك. 

-يعني أنا هبقى معمّر زي جدي وأقعد نفس قعدته دي؟

-العُمر حاجة خارجة عن إرادتنا، واللي جدك فيه ده لعنة مش عُمر طويل، وأنت هتعيش فاقد النطق؛ هتشوفني قدامك من وقت للتاني، على شان تفتكر ومتنطقش بحاجة، وحذاري من إنك تنطق بكلمة من اللي سمعته، ومفيش عقاب أكبر من إنك تختار تفقد النطق بإرادتك. 

في اللحظة دي؛ لقيته اختفى من قدامي، ساعتها جسمي اتحرر من الجمود اللي كان فيه، وحسيت إن الإيد اللي ماسكة رجلي ومكتفاني سابتني، حاولت أهرب، بصيت ورايا واتفاجأت إن الحفرة اللي في السور موجودة، زي ما يكون عيني اتعمت عنها بعد ما دخلت، بس دلوقت أنا شايفها، مترددتش إني أجري وأخرج منها، ولما خرجت الشارع، جريت على البيت، ولما وصلت، لقيت أمي قاعدة قدام باب البيت ولابسة اسود، استغربت هي ليه قاعدة كده، معقول جدي مات؟ بس لو مات كان زمان الناس ملمومة قدام البيت، هو إيه اللي حصل في الساعة اللي أنا غيبتها؟

لما وصلت عندها، قربت منها وقولتلها:

-قاعدة كده ليه يا ماما؟ لابسة أسود ليه؟ إيه اللي حصل؟

ساعتها بصَّت لي باندهاش وقالت لي:

-كنت فين يا "وائل" طول الشهور اللي فاتت دي؟ وإيه اللي عامل فيك كده؟

اتصدمت من اللي قالته وقولت لها:

-شهور إيه يا ماما؟ دا أنا خارج من ساعة.

-ساعة إيه يابني، دا إحنا قالبين عليك الدنيا من شهور، لدرجة إننا اعتبرناك مفقود، دا أنا لبست عليك الأسود.

سيبتها ودخلت أجري على جوه، لقيت جدي قاعد في مكانه، بيبص لي وزي ما يكون عاوز يقول حاجة، لكنه مش قادر، ملامحه بتقول إنه عرف من شكلي اللي حصل معايا، سيبته ودخلت على مراية الحوض، وقفت قدامها، ولقيت إن شعري طويل ودقني، فعلًا زي ما أكون محلقتش من شهور، رفعت إيدي قدام وشي، وشوفت إن ضوافري طويلة، هو إيه اللي حصل؟

خرجت وأنا مصدوم، زي ما أكون دخلت فجوة زمنية، الساعة فيها تساوي شهور، تجاهلت نظرات جدي، لأني عرفت إيه اللي حصل معاه، بس أنا دلوقت في اللي بيحصل معايا، وساعتها شوفت أمي تاني، وقالت لي:

-نفس اللي بيحصل ده حصل مع جدك، اختفى شهور ورجع وهو مبيتكلّمش.

في الوقت ده عرفت اللي فيها، الأرض ملعونة وفيها فجوة بتاكل الزمن، أو يمكن الفجوة دي بداية إصابتي باللعنة، زي ما حصل مع جدي كده، بس مكنتش قادر أرد عليها، فجأة لقيت نفسي فاقد الرغبة في الكلام، مش عاوز أنطق، اللي بيحصل بالظبط نفس اللي الكيان ده قاله لي، إني هختار السكوت من نفسي، لأني خوفت أحكي حاجة عن الأرض والبوابة غصب عني، وينفذ فيا تهديده.

فوقت من تفكيري على صوت أمي، وهي بتقول لي:

-كنت فين يا "وائل"؟ رد عليا.

مقدرتش أجاوب على سؤالها، مش على شان معرفش الإجابة، بالعكس، على شان خايف، كنت مستمر في صمتي حتى بعد ما عرفت إني اتفصلت من المدرسة، لأن الساعة اللي غيبتها دي، واللي اتضح لي إنها شهور، مدخلتش فيها الامتحانات، واعتبروني مفقود، بعدها اعتصمت في أوضتي، مكنتش بخرج منها، وأنا عارف إني وصلت لنفس حالة جدي، وبقيت أنا الوحيد اللي عارف إن جدي مش مريض، جدي أصابته نفس اللعنة اللي أصابتني، واللي شوفته والفجوة الزمنية اللي دخلتها؛ أثبتوا لي لي إن كل حاجة بتتقال عن الأرض دي حقيقة.

قضيت أغلب الوقت قدام الشباك، اللي بيفتح على الأرض، كل ليلة؛ كنت بشوف الكيان ده وهو ماشي في الأرض، كنت بعرفه من عينيه اللي زي اللمبتين الحُمر، فعلًا زي ما قال لي إني هشوفه كتير، قبل اللي حصل كنت بقف نفس الوقفة دي، ومكنتش بلمحه، لكن كلامه بيتحقق، يمكن ده زود خوفي من إني أتكلم مع أي حد، وظهوره ده زي ما يكون بيفكرني باللي حصل، أو بيحذرني على شان مجيبش سيرة اللي سمعته، وحد يعرف مكان البوابة، برغم إني معنديش الجرأة إني أعمل ده.

اتفاجأت بباب أوضتي بيخبط، وساعتها دخل "شريف"، أول ما شافني قفل الباب وراه، ولقيته بيقرب مني وبيقول لي:

-كنت فين يا "وائل"؟ 

مكنتش بجاوب، يادوب بصيت له في صمت، على شان كده كان كمل أسئلته:

-أنت دخلت أرض "الباز" زي ما قولت لي؟ أصلك اختفيت من بعد ما قولت لي إنك هتعمل ده.

بمجرد ما سمعت اسم الأرض، ولقيتني برفع إيدي في وشه على شان ميجيبش سيرتها، بالظبط نفس اللي جدي عمله لما جيبت سيرتها قدامه، لأني أول ما قال اسمها قدامي، شوفت "شريف" على هيئة الكيان اللي ظهر لي هناك، زي ما يكون حضر على شان يوصَّل لي رسالة تحذير ومنطقش بحاجة، عرفت ليه وقتها جدي صرخ لما قولت له على اسم الأرض، أكيد شافني على شكل الكيان اللي ظهر له هناك، على شان يحذره برضه.

اللعنة اللي أصابتني خلتني أمتنع عن الكلام بإرادتي، مكنتش عايز أكلم حد، أمي فقدت الأمل إني أتكلم معاها، حتى "شريف"؛ زياراته ليا بدأت تقل مع الوقت، لحد ما اتقطعت خالص، لحد اليوم اللي سمعت فيه أمي وهي بتصرخ، عرفت إن جدي مات، في اليوم ده بس خرجت من أوضتي، ونزلت ألقي عليه النظرة الأخيرة، وساعتها شوفت لون بشرته أزرق، وعروقه لونها أسود، الأغرب من كده هو إن محدش كان ملاحظ ده غيري، قدرت أربط بين الطريقة اللي مات بيها كبير عيلة الباز، زي ما الكيان ده حكى لي، والطريقة اللي شوفت جدي مات بيها، نفس الشكل اللي الكيان قال عليه، ساعتها بس؛ عرفت إن الموت كان نتيجة اللعنة اللي بتاكل في جسمه، وعرفت مصيري هيكون إزاي.

بعد اللي شوفته رجعت أوضتي، قفلت عليا ومحضرتش الجنازة، مكنتش بعمل حاجة غير إني ألعن فضولي، اللي كانت نهايته لعنة، وآمنت إن تحذيرات ناس زمان لنا مش خرافات، لأن أكيد الناس مش هتحذرنا من حاجة مش موجودة، ولا هتتكلم في حاجة من فراغ.

قضيت باقي أيامي في الأوضة، ببُص على الأرض وأنا ممتنع عن الكلام، كنت بلمح الكيان ده من وقت للتاني، وهو بيستمر في الظهور قدامي، على شان يحذرني دايمًا، وزي ما يكون جدي مات على شان أكمِّل أنا اللعنة اللي ورثتها عنه، لعنة فقدان النطق بإرادتي، لأني ارتكبت نفس الإثم اللي ارتكبه، لما دخلنا نفس الأرض الملعونة ومن نفس المكان، واتصابنا بنفس اللعنة، وصدقت إن مفيش خرافات، وإنها حقايق إحنا بنتعمد ننكرها، لكن للأسف، عرفت ده بعد فوات الأوان.

تمت...

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب384152
2الكاتبمدونة نهلة حمودة245615
3الكاتبمدونة ياسر سلمي215941
4الكاتبمدونة زينب حمدي183056
5الكاتبمدونة اشرف الكرم158605
6الكاتبمدونة سمير حماد 126188
7الكاتبمدونة مني امين123128
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين119019
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي115707
10الكاتبمدونة طلبة رضوان114297

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02

المتواجدون حالياً

10067 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع