منذ عشرين عاما كان
عمري عشرين عاما وتسعة أشهر وخمسة أيام
بالتمام والكمال
كانت عائلتي ستذهب بي لوحا
متفحما إلى مقابرنا
بشرق النيل في بني سويف
إذ اقترب الموت مني،
لا كعدو، بل كشيخٍ
عارف بالله
وضع يده على كتفي وهمس بحنان:
"هنا ينتهي الطريق، وهنا تبدأ الحقيقة"
***
لابد أن أبي كان سيستأجر
خطاطا ويطلب منه أن يكتب
على قطعة من الرخام:
"فقيد الشباب محمد محسن أبو النور
ولد 1 يناير 1985 واحترق 5 سبتمبر 2005"
المؤكد أن قلب أمي
كان سينفطر من الحزن
ويتفتت كلوح زجاج
أفكر الآن في لحظات الصدمة
حين تتلقى خبر غيابي
وتقف عند باب الله بين
التيه والثبات
أفكر في دموعها التي ستجري
مثل نهر دافق
في غرفات بيتنا
في المواضع التي تحب أن تراني فيها:
في حديقة منزلنا حيث
أقطف حبات العنب المتدلية
عند سور الفناء كل ربيع
في مكتبي الذي أذاكر عليه دروسي
ويتملكني السهاد وصلا
للمصباح بالصباح
في المقعد الهزاز الذي أضعه
في الشرفه حيث أتلو القرآن
***
كما أفكر في أشقائي الذين كانوا
سيغرقون
في صدى الصمت
لا بد أنهم كانوا سيحملون بقايا رمادي
كما يحمل الدراويش
سبحاتهم في ليالي الأناشيد
وأفكر في أصدقائي
الذين كانوا سيبكون
بشدة ويتألمون بأسى
ويحملون نعشي إلى مثواه
كما يحمل السالكون إيمانهم
في الخلوات
***
كنت سأودع الدنيا وحيدا كما دخلتها
وبريئا كما أتيت إليها
عاري اليدين
لا ذنب لي
أدخل فناء النور كما يدخل
العاشق حضرة معشوقه،
وأعلم أن النار ليست جحيمًا،
بقدر ما هي نور
يتخفى وراء ألسنة اللهب،
وأوقن أن كل لهيبٍ
هو آية من
آيات القدر،
وكل دخانٍ هو
حجابٌ يُرفع ليرى
المحترقون
بشارة النار في العيون
ورجع صداها في القلوب
***
ذلك المساء لم يكن حادثة،
بل كان تجليا نورانيا
رأينا فيه كيف يصبح الموت
حياة أخرى،
وكيف يصير الغياب علامة
على الحضور
وكيف يبتسم القدر من خلف
ألسنة النار،
ليقول لنا:
"من لم يذق لسعة النار،
لن يعرف طهارة النور"
***
الذين احترقوا في مثل هذا اليوم
ماتوا ونجوا
لكن الذين عاشوا ما زالت النار
في أحشائهم تنتفض
حزنا وألما على ذاك
المساء السويفي الطويل
حين انتقلت أخبار بني سويف
من شاشة القناة السابعة
لشاشات الإخباريات حول العالم
حين وضعت بي بي سي عنوانا
قالت فيه:
"لقي خمسون مثقفا مصريا
حتفهم حرقا بالنار
في قصر ثقافة بني سويف"








































