الأنفاس تدق بوجل
في جناح بمستشفى الهرم
حيث يرقد جسد أسمر
بلله وجع المرض وأنهكه الألم
حتى صار كغصن يابس
فوق أرض قاحلة
في ريح ليس لها صديق
***
في مثل هذا اليوم
الرابع عشر من سبتمبر 2008
وقفتُ في غرفة تكفين الموتى
أطل من وراء الستائر الداكنة
كمن يتلصص على سر القدر
أتساءل:
كيف يمكن لحياتي أن تستمر؟
كيف أستعيد زمام
دراما الأيام؟
كيف أكتب من جديد على ورق "الدشت"
وقد توقفت ساعة الغرفة فجأة،
كأن عقاربها انكسرت إثر وقع الحزن
وغرق الورق في صمت طويل
يرفض أن يطبع الحروف
كما اعتاد كل صباح
***
المشهد الدامي يعود بعد
سبعة عشر عاما
يطرق أبواب قلبي
"يعصر مهجتي كالبرتقالة"
ويذكرني أن في هذا المكان
مات عادل عبد المنعم:
الأستاذ، والأب، والصديق،
وأكثر القلوب رحمة
في القاهرة،
التي أعرفها ويعرف أنها:
"مدينة بلا قلب".
****
أتخيّل الآن بيتك يا أستاذ عادل،
أعود بذاكرتي
سبعة عشر عاما إلى الوراء
أبناؤك حول المائدة
والفراغ يملأ مقعدك
كأنه ضريح صغير
لم يجرؤ أحد أن يجلس عليه بعد
زملاؤك في الزاوية الخشبية بالطابق الثامن
في نقابة الصحفيين،
محمد أبو لواية
سليم عزوز
نور الهدى زكي
يلوحون لك بأيادٍ تبدو في الأفق
يبتسمون في محياك
يكررون اسمك
وكأن النطق به
يعيد دفء أنفاسك بينهم
تلاميذك يمسحون على الصفحات
التي خطت يدك
يفتشون عن بصمة
عن حرف يتيم يبوح بأنك هناك
ترفُل في النعيم
وتنثر خيرك على من أحببت
في خيالي أعود إلى يوم وداعك
كان مستشفى الهرم
يخبئ لنا صمتا طويلا
وجناحك يصدح بأسماء
كتبت على عجل
الدمع يملأ الأرجاء
وحزن الفراق يكسو كل الوجوه
***
رأيتك هناك
في هذا المكان الموحش
وجهك أقرب إلى الصفح منه إلى الشكوى
تشكر الله على الألم
الذي يطهر الروح
ويسلمها إليه مثل طفل صغير
رحل عن الدنيا ولم ينل منها
أي دنس
يدك تلوّح
كما يلوّح الراوي حين يختم حكايته
وكأنك تكتب جملة أخيرة
على صدر صفحتك الأولى
وكأنك تلخص حياتك
في "مانشيت" على ثمانية أعمدة
وكأنك تسلم روحك إلى المطبعة
وكأن العالم استحال إلى حبر
سال على هذا الفراش
وهناك
في هذا المكان
رأيتك تصادق الموت
لم تره خصما
بل رفيقا حنونا
يمد يده بالخلاص من التعب
****
أما أنا
فقد كنت أفكر في أشياء تافهة
تتكاثر في داخلي كأعشاب برّية:
كيف سيبدأ يومي من دونك؟
كيف سآكل كشري أبو طارق
من دونك؟
كيف سأتجول في شوارع باب اللوق
والسيدة زينب وحدي؟
كيف سأجرؤ على الاقتراب من
مستشفى القبطي وأنت لست هناك؟
كيف سأقرأ مقالك
وقد كانت أنفاسي تتشبث بكلماتك
كما تتشبث العصافير بالأغصان
بعد مطر غزير
أو بعد عاصفة مدمرة؟
***
أخاف الآن أن يبسط الزمن
سطوة النسيان فوق ذاكرتي،
فأستعجلك في حروفي:
لن تموت في نصي
ولن أموت هنا
لأنك اسم يتردد في بيتي
مثل ألحان العنادل،
أحتفظ بجسور من ذكرياتك،
بلقاءاتنا في نقابة الصحفيين،
بنصائحك التي كانت
كالخبز الساخن
بوجهك الذي يتبدى
مثل قرص الشمس
وبنكاتك التي كانت
كدواء سحري ضد الأسى
***
لا أعرف الآن ما الذي يجعلني
أتذكر كلمتي في حفل وداعك
عندما تجمهر المحبون
لتأبينك
وأتذكر أنك قلت لي ذات مرة:
"ستصبح يوما ما تريد"
وبصراحة لا أعرف ما إذا كنتُ
قد أصبحت في هذا اليوم
ما أريد!
***
يا أستاذ عادل،
أكتب الآن لأبنائك وزملائك وتلاميذك:
خالص العزاء لا يكفي
لكن الحروف وحدها
تحاول أن تداوي ما استطاعت
يا من كنت ملاكا يمشي على قدمين،
لا لأنك لم تخطئ
بل لأنك علمتني
كيف أرتب أخطائي
وأتعهد ألا أكررها
سبعة عشر عاما
والجرح يعاودني
كمنعطف في شارع الهرم
قبل منزلك في حي الطالبية بأمتار،
أتذكر طقوسك الخاصة:
رائحة الشاي بالنعناع في الشرفة
ضحكة قصيرة من حنان أو سلمى
شهقة عالية من أحمد
ما زلت أسمع أصواتهم
كأن البيت نفسه يحن إليك
وبمناسبة أحمد
هل تعلم وأنت في مرقدك الطاهر
أن له زوجا اسمها "داليا"؟!
سأخبرها يوما بتمرده عليك
حين طلب منك شراء ملابس جديدة
فأعطيتني النقود وقلت لي:
"اجعله أشيك طالب ثانوي في الهرم"
سأخبر داليا أنه رفض
وسأخبر داليا أنك قلت له:
"يا ساذج محمد أشيك صحفي في مصر"
وأضفت وأنت أصدق من أضاف:
"سيجعلك أشيك طالب ثانوي في الهرم".
****
حبيبي عادل،
أدعو لك الآن بظهر الغيب،
بلا صيغة بليغة
بلا تكلف عند باب الله في الطلب
أتوسل لك الرحمة
وأطلب مكانا لا تشوبه ضوضاء الأرض
ومستقرا لا مجال فيه
لآلام الكبد
وأعدك
وأنت تعرف أنني من الأوفياء بالوعد
أنني سأحمل اسمك في قلبي
كما يحمل البَحّار بوصلة
لا يخطئ بها شاطئه
سأحكي عنك
كما يحكي العائد من سفر طويل:
بصراحة كما عودتني،
وبحب كما يشتاق الابن
إلى عناق أبيه
***
يا من كنت ملاذي
في زمن قلت فيه المرافئ،
غاب الجسد وبقيت أنت،
في سطور أكتبها كل خريف،
كأني أوقد شمعة
لا تنطفئ إلا حين
يتجدد الحزن كل يوم 14 سبتمبر
سبعة عشر عاما على الغياب،
وأنا ما زلت أقول:
لقد كنتُ هناك،
في جناحك بمستشفى الهرم
رأيتك جسدا أسمر
يتبدى منهكا فوق شرشف السرير
كأنك كنت ملاكا
تعب من الطيران؛
فاستراح في باطن الأرض








































