الجسر بين الحقيقة والمجاز
قراءةفي المجموعة القصصية
(على جسر خشبي)
للكاتب/ عزت الخضري
والصادرة عن دار/ ميتابوك
للطباعة والنشر
في طبعتها الأولى للعام ٢٠٢٢
وأبدأها من العنوان (على جسر خشبي)
والجسر:
هو القنطرة الواصلة بين ضفتين
أما الخشب:
فهو مادة عضوية مسامية مسترطبة قابلة للتشكل أي يتخذ أوضاعاً مختلفة في نموه واستجابة للمؤثرات الخارجية، ومن مميزاته سهولة تشكيله وقطعه ووصله، ويؤتى به من النباتات الخشبية وتحديداً الأشجار أي أن أصله كائن حي، كما أنه أيضا جسم معتم لا يشف ما بداخله أو خلفه.
وانطلاقا من قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"(الحجرات13)
فإن الجسر هنا هو الرابط الذي يتشكل ويربط البشر ببعضهم البعض، والذي لو انقطع فإنه يعاد تشكيله ووصله بطرق مختلفة، فالإنسان كائن اجتماعي لا تستوي له الحياة منفردا، واختيار الكاتب لمادة الخشب كمكون للجسر ولصفاته التي أسلفنا ذكرها، فيه إشارة لخفاء النوايا في العلاقات الإنسانية.
فالجسور بين الناس لا تبنى بالإسمنت أو الحديد وإنَّما تبنى بالتعارف والتآلف والتسامح والتراحم .. وهذه الجسور لا تتعلَّق بالمسافات ولا تتعلَّق بالأودية السحيقة ولا بالجبال الشاهقات، وإنَّما تتعلَّق بالنفس البشرية والمشاركة الإنسانية ..
وهذا هو المنطلق الذي اتكأت عليه قصص مجموعة (على جسر خشبي) والتي تحوي اثنتان وعشرون قصة قصيرة، كانت ركيزتها الأساسية هي الإنسان وعلاقته مع الآخر سواء كان هذا الآخر (بشر، أو مكان، أو زمان، أو كائنات حية أخرى) ..
اهتم الكاتب من خلال مجموعته القصصية بإظهار المشاعر الإنسانية الخالصة، والتي يعبر عن طريقها الإنسان عن مكنون ذاته وتواصله مع الآخر، وكانت هي الرابط الذي تجلى مع الإنصات الجيد للمشاعر والأحاسيس النابعة بصدق من شخوص الحكايات، وهي الجسر الذي يربطهم ويصل بينهم، وهو الرابط الحي الذي جمع معاناتهم برباط إنساني ..
فمثلا في قصة (واتساب)
ورغم أهمية وسائل التواصل الحديثة التي لا يستطيع أن ينكرها أحد، إلا أنها تعتبر سلاح ذو حدين فبعض الناس يرونها نعمة والبعض الآخر ينظر إليها على أنها نقمة لما لها من آثار سلبية على العلاقات في المجتمع ولا سيما العلاقات الأسرية ..
نجد الكاتب يظهر لنا وسيلة من تلك الوسائل وهي"الواتساب"، والتي عن طريقها يتم دعم الرابط بين القصي والقريب، إلا أنه وفي مفارقة محزنة يرينا برسالة وكلمات -وإن كانت قليلة- إلا أن تأثيرها كبير جدا، كيف لهذه الوسيلة وغيرها أن تفتح مجالا للتواصل السريع والسهل بين شرق البلاد وغربها، أقصاها وأدناها؛ أن تقطع التواصل الفعلي بينهم .. فننصدم من رسالة الأم والتي تخبر ولدها فيها أنها تفتقده ونكتشف أنه مر عام على آخر زيارة منه لها.
وكذلك الأمر في قصة (هناء)
الفتاة الجميلة الخجولة كزهرة برية، والتي خضعت لتربية متحفظة وتزوجت زواجا تقليديا، الذي كان من وجهة نظر أهلها زواجا ناجحا إذ أن الزوج من وسط اجتماعي مرتفع وله مكانة مرموقة، فقضت حياتها في مراعاة بيتها وأولادها، إلى أن تسرب الملل لعلاقتها بزوجها الذي كان يقضي وقته خارج المنزل ولا يبالي لسؤالها عنه واحتياجها له، فانقطعت جسور المحبة بينهما، وظهر في حياتها من انتبه لها وتواصل معها عن طريق وسيلة للتواصل الاجتماعي وفي الحياة الفعلية عن طريق العمل ومد جسرا من الود، لتقع في خطيئة لا تغتفر.
وقد أوضح لنا الكاتب أن الجسر أيضًا قد يكون زمنيا، بمعنى أن يربط الماضي بالحاضر ويصل العلاقات الإنسانية بقيم ومبادئ زمان مضى ويستجلبها ليزرعها ويؤسس لها..
مثال: قصة (قبلة على اليد)
نرى الجسر الممتد بين الماضي والحاضر وتلك القبلة من التلميذ الذي كبر وصار والدا وله أبناء، على يد معلمه الذي قابله صدفة في حديقة عامة، جاء وصف الحديقة فيه البراح والحرية والمكان المفتوح، والأولاد والبنات والشباب في إشارة لتبادل الأدوار وتعاقب الأجيال، فالمشاعر الطيبة تصنع جسرا من المحبة بين البشر.
وكما في قصة (على جسر خشبي)
والتي حملت اسم المجموعة، يرسم لنا الكاتب فيها روعة الحياة في جنة الأم، فلا أحد مطلقا سيحبنا مثلها .. وهنا على جسر الحياة الهش كانت كف يدها تساند هذا الابن، تلك اليد التي كانت تطعمه الفاكهة والحلوى، وكتفها الذي يحمل عنه هموم الدنيا ويخفف من عناء الرحلة، وصوتها الذي كان كفيلا بجعل الفراشات تحلق فوق رأسه في إشارة للأمان والسكينة، أما عن صوت المنشد فهو دلالة على اطمئنان الروح وتحليقها في هيام وجو ملائكي .. لينقلنا بعد كل هذا الجمال لحال الابن بعد موت الأم، وفي جملة معبرة إذ يقول: (تعطيها الملائكة جناحين ويصحبوها إلى السماء) ليرسم لنا قتامة الصورة وقسوة الفقد، فانتهت الحياة الجميلة وذهبت الراحة وانسحبت الألوان وتمرر طعم السكر في الفم، ليحل الظلام وتتحول الحديقة الغناء لصحراء قاحلة.
ثم تصحبنا قصة (في صالة الانتظار)
لنرى الماضي والحاضر يجتمعان في لحظة آنية، ونتساءل هل كان هذا الرجل يطالع نفسه في مرآة؟
أم هو مصاب بالزهايمر؟
تساؤلات كثيرة إجاباتها .. ربما .. لكننا أمام مشهد متجسد لنفسية هذا الرجل، الذي وضعنا معه في هذا اللغز .. فبتنا نبحث عن صلته وعلاقته بالرجل الآخر، الذي يتضح لنا في النهاية أنهما شخص واحد.
أو يكون هذا الجسر معبر هروب من وطأة الواقع، فيلجأ له الإنسان ليُسقط من خلاله أزماته النفسية ويعبر للسلام النفسي ..
ففي قصة (كوب ماء بارد)
نشاهد العامل الذي أسقط معاناته في بئر حلمه والذي من خلاله تم فعل الإزاحة والتعويض بالحلم عن واقعه القاسي، فها هو في أوج أزمته يتعامى عنها ويبتسم بعد سكب الماء عليه من صاحب العمل، يهرب بوعيه للحلم الذي فيه إنصافا له ليرى فيه الوضع معكوسا فكان هو رب العمل ورئيسه عامل عنده.
وعن قصة (في منتصف الليل)
ففي بدايتها وصف لنا الكاتب في تشبيه بليغ يعبر عن مدى الحرص والخوف والحذر، للفتاة المتسللة للمنزل الذي هو منزلها وهي عائدة من عملها، فنجده يقول: (أغلقت الباب بيد أم، تعيد رضيعها النائم إلى فراشه وسارت على أطراف أصابعها) ..
ثم يصدمنا تصرف الأخ الذي خالف المفروض، إذ كان عليه التكفل بأمه وأخته بعد وفاة والده، ولكننا نجده هنا يضرب أخته لعودتها في التاسعة مساء من العمل، وهذا الوقت في اعتقاده المتشدد منتصف الليل، ثم نأتي لموقف الأم التي نصرت ابنها المدلل على ابنتها المظلومة، وهي بذلك تقوم بهدم جسر الأخوة والود بينهما، وتضيع الاحتواء الذي كان من المفترض أن تجده ابنتها لديها، في مشهد يظهر لنا كيف يكون الظالم من جنس المظلوم وكيف تكون المرأة عدو جنسها في محاباتها لهذا الولد ..
ثم جاءت قصة (فوق الرصيف)
ليصحبنا الكاتب في مشهد رائع للتواصل بين الإنسان والحيوان، فنرى الرجل الجالس على الرصيف شارد الذهن لا يدري عن ما حوله شيئا، وكيف لقطة حين اقترابها منه تلاطفه فيتجاوب معها، بل ويصنع معها جسرا من المحبة والود بوضع طعامه الخاص لها فتأكل وتشرب من يديه، ثم تنام على معطفه وهو يتحسس شعرها ويدندن، كأنه يهدهدها كطفله .. ثم يعود لشروده، فنرى مثالا للأمان والرحمة نابع مِمَن افتقدهم.
أما في قصة (صورة)
فكانت تلك الصورة هي كل ما تبقى لهذه المرأة وهي أيضا بوابة ماضيها وجسر ذكرياتها، الصورة التي تحوي في إطارها الزوج والابن والابنة، .. لم يتبق لها منهم غير ذكرى، والمحصلة أنها وحيدة تحتاج لدفئ عائلتها، فلا حاجة لها بمال، وترى أنها صارت مهملة وروحها خربة تعشش بها خيوط العنكبوت، مثل هذا البيت القديم المهجور بكل ما يحمله من ذكريات.
ثم يصحبنا الكاتب في قصة:
(خلف الستار)
ليرينا نقطة ضوء وسط ظلام الجهل والفقر، في تلك البقعة القصية عن تحضر المدنية والتي عششت فيها جميع أسباب البؤس والتخلف، من فقر وجهل ومرض ومعتقد ديني منحرف عن الفطرة السوية، نجد الست فكرية وابنتيها اللتان تدفعهن دفعا في طريق العلم، تكد وتكدح عليهن بالعمل في المنازل بعد وفاة زوجها، رغم أنها كانت ماتزال في عز شبابها .. إذ جعلت من عمرها وعملها جسرا لهاتين البنتين نحو حياة أفضل.
اللغة والسرد
جاءت اللغة في المجموعة بالفصحى سردا وحوارا، وكانت مناسبة لشخصيات القصص، فأتت سهلة سلسة بعيدا عن التكلف واستخدام الألفاظ المعقدة، كما احتوت على الصور البلاغية المعبرة، أما عن السرد القصصي .. فيتضح جليا فيه امتلاك الكاتب لأدواته وإلمامه بها وبطرق الحكي والقص، فضمت المجموعة القصة القصيرة مكتملة الأركان، والقصيرة جدا بتكثيفها الذي يأخذنا للهدف مباشرة دون ثرثرة أو إطناب.
خاتمة
الحياة عبارة عن نهر نعبره من لحظة الميلاد إلى أن نغادر هذه الدنيا، تجمعنا فيه أيام ومحطات وتفرقنا أيام ومحطات أخرى، وعلى شاطئ هذا النهر نبني جسور المحبة اتباعا لسنة الله التي خلقنا لها، تلك الجسور التي تتصل أحيانا وتنقطع أحيانا أخرى، فتكتمل حكاياتنا بالتواصل مع الآخرين، وتتقاطع أحيانا أخرى مع حكاياتهم لنصل معا للضفة الآخرى من نهر الحياة.








































