قراءة نقدية في مسرحية "تِتّي تتحدى النيل"
تأليف: عبد العزيز إسماعيل
الناشر: دار منازل للنشر والتوزيع – ٢٠٢٥
عدد الصفحات: ١٦٩ صفحة
النوع الأدبي: مسرحية سياسية رمزية
السياق التاريخي: تدور أحداثها في زمن الفراعنة، خلال الشهور الأخيرة من حكم الملك رمسيس الثالث (١١٩٢ – ١١٦٠ ق.م)، أحد آخر الفراعنة العظام من الأسرة العشرين.
ملخص الأحداث:
تبدأ المسرحية في أجواء احتفالية بمناسبة وفاء النيل، حيث تُقدَّم الأميرة ميريت عروسًا للإله حابي رمز العطاء والخير .. غير أن المفاجأة الكبرى تقع حين يُكتشف أن الفتاة التي أُلقيت في النيل ليست الأميرة الحقيقية، بل فتاة أُبدلت بها، مما يصيب القائد ـالخطيب السابق للأميرةـ بصدمة عصبية ويدخله في حالة انهيار .. تتتابع بعد ذلك الأحداث في خط درامي تصاعدي يكشف خيوط مؤامرة تُحاك ضد الملك والوطن، وتنتهي المسرحية بانكشاف الخونة وعودة الأمور إلى نصابها الصحيح، في مشهد يؤكد انتصار الحق والوفاء على الغدر والخيانة.
تحليل البنية الدرامية:
أولًا: دلالة العنوان ورمزيته:
يحمل عنوان المسرحية "تِتّي تتحدى النيل" بعدًا رمزيًا عميقًا...
فـ "تِتّي" تمثل الوجه الخفي للشرّ والخيانة والطمع، امرأة تتقن التلون وتُظهر النعومة لتخفي سمّها، كما تفعل الأفعى .. أما "النيل" فيرمز إلى الخير والنماء والحياة، ومن ثمّ يصبح "تحدي النيل" معادلاً رمزيًا لتحدي القيم النبيلة ومحاولة التمرد على سنن العطاء والتجدد التي يمثلها الوطن في جوهره...
فالعنوان هنا ليس مجرد تسمية، بل مفتاح دلالي يكشف عن الصراع الجوهري بين الخيانة والإخلاص، وبين الأنانية والتضحية.
ثانيًا: الشخصيات وبناؤها الفني:
اعتمد الكاتب في رسم شخصياته على التناقض الدرامي، فجاءت كل شخصية معبرة عن قطب من أقطاب الصراع:
الملك رمسيس الثالث: رمز الوطنية والإخلاص، يجسد فكرة القائد الذي يهب حياته لوطنه، ونرى ذلك في تضحيته بابنته..
الملكة تِتّي: محور الشر والخيانة، تمثل الطمع الشخصي والرغبة في السيطرة، حتى ولو على حساب الوطن...
الأميرة ميريت: رغم غيابها الفعلي عن خشبة المسرح، فإن حضورها الرمزي قوي؛ فهي تمثل البراءة والوطن الذي يُضحّى به من أجل المؤامرات...
الوزير: شخصية انتهازية متلونة، تعكس الفساد الإداري والسياسي الذي ينخر في جسد الدولة من الداخل... وعند الرجوع إلى أصوله الدخيلة على مصر نعرف مدى سوءه طمعه..
أما الشخصيات الثانوية كالأمير بنتاؤور، والكاهن الأعظم، وكبير المهندسين، وزنجير، وكبير الأطباء، والمايسترو ومساعده، فقد جاءت لتدعم البناء الدرامي وتكشف أبعاد الصراع السياسي والروحي في المسرحية.
ثالثًا: الزمان والمكان
تدور الأحداث في أواخر حكم رمسيس الثالث، في فترة اتسمت باضطرابات داخلية وصراعات على الحكم.
أما المكان، فهو مصر الفرعونية، وتتنقل المشاهد بين شاطئ النيل حيث مكان الاحتفال، وقصر الحكم، وجزيرة وسط النهر حيث يخبئ الوزير سرقاته من الذهب وأيضا المكان الذي أخفى فيه الأميرة والقائد، مما يمنح النص بعدًا بصريًا ثريًا يرمز إلى صراع السلطة (القصر) والقداسة (النيل) والخداع (الجزيرة المنعزلة).
رابعًا: الحدث والصراع
الحدث المركزي يتمثل في التضحية بالأميرة ميريت خلال احتفال وفاء النيل، لتتحول الطقوس المقدسة إلى مسرح لمؤامرة خفية تهدد استقرار البلاد.
الصراع هنا ذو مستويين:
خارجي سياسي بين الملك المخلص والخونة المتآمرين عليه وعلى الوطن..
داخلي نفسي يتجلى في اضطراب القائد الذي يشهد انهيار القيم من حوله...
وأيضا في الحوار الذي يدور بين الوزير ونفسه..
وصراع الملكة ذاتها من أجل تحقيق ما تصبوا إليه في حبها للوزير، وطمعها في الحكم..
وأرى أن الكاتب نجح في مزج الرمزي بالواقعي، حيث تبدو الأسطورة الفرعونية ستارًا شفافًا لإسقاطات معاصرة على الواقع السياسي والاجتماعي الحديث.
خاتمة
تُعد مسرحية «تِتّي تتحدى النيل» نموذجًا للمسرح الرمزي السياسي الذي يوظف التاريخ والأسطورة للكشف عن أزمات الحاضر .. استطاع عبد العزيز إسماعيل أن يربط بين رموز الماضي ومآزق الحاضر، ليؤكد أن الخيانة مهما تلونت، لا بد أن تنكشف أمام ضوء الحقيقة، كما ينكشف الطمي حين ينحسر ماء النيل بعد الفيضان.








































