مساء بنفسجي يهبط عليّ كبحرٍ ثقيلٍ بلا أفق،
كأن الموج نفسه تعب من الارتطام،
وأنا على الشاطئ، أعدّ خساراتي حبةَ رملٍ حبة.
منذ سمعت بخطبته، والماء في داخلي يهيج،
كأن جسدي قاربٌ فقد شراعه،
تتلاعب به التيارات ولا يعرف إلى أين يعود.
الأشياء من حولي لم تعد كما كانت:
القلم يرتجف في يدي،
الكرسيّ يتأرجح تحتي كأن الأرض ضاقت بي،
والنوافذ صارت مرايا ملحٍ تعكس وجهاً لا أعرفه.
هذا الصباح فقط هدأت العاصفة،
وأخرجت صورتها من كتابٍ قديمٍ خبّأتها بين صفحاته حين كنت أهرب من عينيها.
الآن نظرتُ إليها طويلاً،
لا تشبهني، ولا تشبهه،
تشبه نوارسَ تائهةً تحوم فوق مرفأٍ خالٍ،
تبحث عن مركبٍ لم يعد.
نزعتُ اسمه من جبيني كما تُنزع صدفةٌ التصقت بلحم الشاطئ،
وجففتُ وجه الحزن بأناملي الموجعة.
قلت في نفسي:
مبارك للأرض كذبة جديدة،
وللبحر موجة خائنة أخرى تعود بما ليس لها.
مبارك لتلك التي تنتظر دفءَ يديه،
وهو غارقٌ في بردٍ لا يُدفئ أحداً.
مسكينة هي،
تظن أن البحر سكنه،
ولا تعرف أنه ترك شواطئها منذ زمنٍ بعيدٍ ليبيت في ذاكرةٍ لا تمحى.
أما أنا،
فقد صرتُ كصَدَفةٍ مهجورةٍ فقدت صوت البحر بداخلها،
أسمع الصمتَ يتردّد فيها كصلاةٍ منسية.
وهو أيضاً مسكين،
يمشي في حياته كبحّارٍ لا يعرف الميناء،
يمثل دور النجاة وهو غارق حتى الحافة.
أما القدر،
فهو الريح التي تغيّر اتجاه النوارس دون أن تسألها،
تضحك من خوفها، وتتركها تتيه فوق المدى.
فليكن إذن،
مبارك على وجهي هذا الموج الذي لا يرحم،
ومبارك على قلبي الانكسار.
لقد فهمت أخيراً:
أن بعض الرحيل ليس خسارة،
بل عودة إلى اليابسة بعد








































