يُعَدّ كتاب «العَبَرات» للمنفلوطي من أشهر الكتب الأدبية التي ذاع صيتها، وكثيرًا ما طرقت أسماعَنا منذ الطفولة، غير أنّني، على كثرة ما سمعت عنه، لم أقرأه قراءةً متأنية من قبل، حتى جاءت تلك الأيام التي وجدتُ فيها في نفسي شوقًا وفضولًا دفعاني إلى تصفّحه، فقرأته، ويا سَعدَ من قرأه.
والكتاب، لمن لم يسبق له الاطلاع عليه، ينتمي إلى اللون القصصي؛ إذ يضم مجموعة من الحكايات، بعضها مترجَم، وأكثرها مستمدّ من تجارب شخصية عاشها المنفلوطي في بيئته وحياته.
وحكايات الكتاب كلّها واقعية حزينة، تنتهي في الغالب بنهايات مؤلمة لأصحابها، لكنها تزخر بالعِبَر والدروس، وترسم لنا سبل النجاة من المهالك التي كثيرًا ما يوقعنا فيها الزمان، ولنا في تجارب السابقين أبلغُ العِظات.
ولعلّ السينما المصرية القديمة قد استعارت كثيرًا من أفكار هذا الكتاب، واستلهمت من روحه ومضامينه عددًا من أعمالها.
غير أنّ ما يظلّ خالدًا في «العَبَرات» هو أسلوب المنفلوطي البديع، ومفرداته الحيّة، وعباراته السهلة الممتنعة، التي تحمل معاني واسعة بروح إنسانٍ نبيل يتألّم لآلام البائسين، ويقدّم النصح للأجيال اللاحقة، كي لا تقع أسيرة المصاعب ذاتها التي وقع فيها من سبقوهم.
كانت كلّ كلمة تقع من عقلي موقع الإعجاب بقوّتها وحيويّة بلاغتها، وتقع من قلبي موقعًا يعتصره الحزن والأسى، وتستقر في نفسي كأنني واقف في ميدان الشباب، أرى تكرار تلك الحكايات كما هي، دون أن نستلهم من ماضينا العبرة المُنقِذة.
ذلك كلّه سيطر على وجداني وعقلي وروحي بعد الفراغ من قراءة الكتاب، وليس هذا بغريب؛ فالمنفلوطي اسم كبير، ومقامه رفيع، معروف ومشهور في مراقي المجد وعروش البيان.
ولذلك أنصح بقراءة هذا الكتاب، لا لمجرد معرفة القصص والحكايات، بل لإثراء الحصيلة اللغوية، وتهذيب الطابع النفسي، وتنمية الملكات الفكرية والأدبية، ونسأل الله أن ينفعنا بما نقرأ، وأن يجعل فيما نطالع خيرًا ونفعًا.








































