وقفت تنظر إلى المرآة التي تعكس صورتها استعدادًا ليومٍ مختلف تنتظره كل عام، تحدث نفسها قائلة:
ما زلت كما أنا لم يتغير شيء رغم سنوات العمر التي مرت بسرعة! نفس الملامح البسيطة، نفس العينان اللتان تلمعان عند رؤية حبيب أو عزيز، نفس الابتسامة الصادقة في وجه الجميع.
مسحت دمعة تساقطت دون أن تأذن لها وأكملت قائلة:
أنا هي نفس الطفلة التي تفترض حسن النية وتتعامل بود، تفرح بالقليل من الحلوى والمثلجات أكثر من أي شيء ثَمين؛ فيكفي أن أحدهم قد تذكرها بحب، مازلت أسعد بابتسامة طفل أبادلها إياه ليُسرع في طلب اللعب معي؛ فأتجاهل المحيطين وأسرق لحظات بريئة مع من هم مثلي بقلب نقي لا أخشى منهم خبث ولا نفاق، ما زلت أحب الركض في الهواء ولكني أمتنع بسبب المتلصصين ممن لا يدركون كوني طفلة وحتى لا يتهمونني بالجنون، أختلس اللحظات عندما يداعب الهواء يدي من نافذة السيارة فأعدُه بلقاء قريب بعيدًا عن أعين الغرباء.
لم يكف هاتفها عن التنبيه بقدوم الرسائل للتهنئة بيوم ميلادها الذي أعلنت عنه صفحتها الخاصة على ذلك التطبيق الملعون الذي يجمع البشر في عالم افتراضي واحد، تعرفهم أو لم تعد تعرفهم، تتذكر من هم أو حتى لم تتذكرهم، فحمدت الله أنها بمهارة استطاعت أن تخفي سنة الميلاد عن أعين الفضوليين ممن ينتشرون حولها عبر الموجات.
أدركت أنها لم تعد تحسب عمرها، فهناك سنوات سقطت من حساباتها لم يكن بها ما يستحق التذكر، فلماذا يحسب الإنسان عمره ويضيف سنوات تحمل ذكريات بائسة أو معاناة تعيسة لا يجب عليه تذكرها؟!
نظرت يمينًا ويسارًا باحثة عن دميتها الصغيرة متناسية مرور الزمن، تلك الدمية التي ضربت الأرض بقدميها فرحة يومًا عندما أحضرها والدها لها بعد طول انتظار؛ فكانت أسعد مفاجآت حياتها، ضمتها بين ذراعيها بسعادة؛ فلقد حصلت على الدمية المشهورة ذات الابتسامة البريئة بوجهها المنتفخ والشعر القصير ذو اللون الأبيض، ولم تسأل حينها عن سبب كونه بهذا اللون؟! تلك الدمية التي أطلقوا عليها اسم ( كُرنبة) تشبيهًا بذلك النبات الملفوف ذو الساق الغليظة والأوراق الرقيقة، يُبذل فيه الكثير من الجهد بضع ساعات؛ لصنع لفائف بحجم الإصبع، شهية المذاق وخاصة مع إضافة المرق والبهارات، تأكله الأفواه في دقائق معدودة، فتمتلئ البطون، تزيد السعرات وتثقل الأوزان مثل هذه الدمية تمامًا.
والآن وهي تبحث عنها أدركت أنه قد مر عليها ربع قرن تقريبًا! ولم تعد هي نفس دمية الأحلام لأطفال الحاضر، هناك أخرى ممشوقة القد، ذات شعر طويل أسود كالليل أو أصفر كالشمس، مختلف الدرجات، مصفف بأحدث صيحات الموضة، تملك منزل وثياب، حقائب وأحذية، كل شيء جعلها تستحق عن جدارة أن تكون ( باربي) دمية الأحلام ومثالًا للجمال والرشاقة.
اقتربت من المرآة لتدقق النظر بعينين أرهقهما الزمن؛ فوجدت علامات الزمن بدت واضحة على ملامحها بتجاعيد ليس لها معنى سوى مرور العمر وقد بدأ الشيب يظهر بين خصلات شعرها، فتحت عينيها بصدمة مدركة زيادة وزنها الملحوظة؛ فأطاحت فورًا بدميتها وراء ظهرها تلقيها بعيدًا عن صندوق الذكريات، متهمة إياها بظهور الشعر الأبيض في رأسها وامتلاء جسدها مثلها، وعليها الآن القيام بالحمية اللازمة وأُولى الخطوات التخلص من تلك الدمية اللعينة واستبدالها بأخرى تواكب العصر.








































