مي!
نعم كان التنمر على اسمي، دعوني أخبركم...
لم أكن قد تجاوزت حينها العشرة أعوام، كان أحد الأقارب ولا أعلم إلى الآن لماذا كان يتعمد السخرية من اسمي ومعناه الذي اتهمه بأنه (ح قير) و (ق ذر)، لم أفهم ما مشكلته فهو أمر بعيد عن حياته ومستقبله واهتماماته! لم أعترض أو أبد أي تعبير، فعلت كأي طفل يحمل غصة التنمر وينأى بنفسه عن الدخول في مهاترات سيخسرها بسبب السن.
كانت لحظة حاسمة في حياتي عندما قررت عدم الإفصاح عن اهتزاز ثقتي وحرجي من اسمي بأن أبحث بنفسي عن معناه، لم يكن لجيلنا حظ مع التكنولوجيا ليكون البحث سهلاً كما الآن ولكن ولحسن حظي كان أبي يملك مكتبة بها كل معاجم اللغة، جمعت المجلدات على الأرض بعد أن وقفت على كرسي لأستطيع الوصول إليها، وبدأت الرحلة وأنا لا أعرف عن البحث في المعجم أي شيء، أقلب صفحات الكتاب الضخم، أكتشف الحروف وترتيبها، حتى وصلت أخيراً إلى حرف الميم، وكانت ابتسامة النصر.
لم أجد اسمي بذلك المعنى الذي نعتني به؛ فالمعاجم لا تعترف إلا ب (مية) صغير القرد أو صغير أي حيوان لا يفرق كثيراً إن كان قرداً أو غزالاً؛ أما مي فلم تعترف المعاجم القديمة إلا بأنه اسم علم أنثوي أطلقه العرب في الجاهلية على المرأة التي من شدة جمالها تُسكر مثل الخمر، هكذا كان في أحد المعاجم أما الآخر اكتفى بأنه اسم علم والثالث مرأة جميلة.
ياله من اسم! نعم شعرت بروعته فلقد وُصفت بالجميلة، وما أن رأيت قريبي العزيز وبمجرد البدء في السخرية التي اعتادها قذفت عليه طلقات الفخر بمعنى اسمي ولكن كانت طلقاته أقوى من مسدس لعبة في يد طفلة، سخر مجدداً باشمئزاز قائلاً: يع خمر أعوذ بالله.
هزيمة جديدة دخلت قلبي وقتلت كبريائي، ولكن كان دائماً حديث والدي عن اسمي يطمئنني، اختار أبي أسماءنا بعناية فقد كان طبياً أزهرياً مثقفاً لا يمكن أن يكون أخطأ المعنى، اختار اسماً اختارته مي زيادة الأديبة الأكثر شهرة في عصرها وصاحبة الصالون الأدبي الشهير بدلاً من (ماري)، أحبها معظم أدباء جيلها، بادلها جبران الرسائل، تعلق بها قلب العقاد، كتب فيها شوقي الغزل؛ فقد كانت أسطورة عصرها التي تأثر القلوب، ربما كان والدي يحلم أن يراني يوماً أديبة يفتخر بها؟ ربما...
بحثت كثيراً حول معنى الاسم الذي تغنى به الشعراء على مر العصور، أصبحت أراه بعيون أبي الذي كان ينطقه وكأنه يتأمل حروفه الصغيرة بعشق وإذا أراد تدليلي كان يضيف حرفين للملكية_هكذا تخيلت_فربما أراد معنى (تي) بالهيروغروفية، لا أعلم فلقد رحل قبل أن أعرف ماذا كان يقصد ب (مي تي).








































