"لابد أن أحضر له عقد الأرض الابتدائي الليلة ويحدث ما يحدث.."
كانت هذه الفكرة تطارده كالكابوس. فعلام مجرم عتيد الإجرام، لا يخاف الله. ولولا الكمبيالات التي أخذها عليه ما كان ليخشاه أبداً؛ فقد أغواه كالشيطان وأعطاه "الماكس" الذي لا يستطيع عنه فكاكاً.
ظلَّ الرجل يتأرجح بين الخوف والأماني، يترقب ويرتب أفكاره، حتى قفزت في رأسه الخطة.. "صاحب البيت في الحج هذا العام، وابنه الكبير في الجيش، إذاً الخوف كل الخوف من ابنه الثاني؛ شاب بنيانه قوي، لماح، ويفهم ما يدور حوله". لكن تهديدات "علام" ومساوماته على العقد الابتدائي مقابل الكمبيالات كانت تلاحقه كظله.
كانت ليلة مظلمة، شوارع القرية خالية من الناس إلا من بعض المارة الذين تعودوا السهر. لم تكن هناك دكاكين مفتوحة سوى دكان واحد يبيع الشاي والسكر والدخان. جلس البطل يتسامر مع صاحب الدكان، أعطاه سيجارة "لف" وسأله بخبث عن ابن الحاج بحجة أنه يريده في أمر مهم.
أجابه صاحب الدكان: "ابن الحاج مر من ساعتين، أخذ الشاي والسكر وذهب إلى الغيط ليسقي البرسيم، فموسم الجفاف بدأ ولابد من الري".
انفرجت أساريره وشكره، ثم انسحب رويداً رويداً حتى غاب عن العيون، واتجه صوب بيت الحاج. بيوت القرية أكواخ من الطين يخيم عليها السكون، لا تسمع فيها غير نباح الكلاب في الشوارع، أو نهيق الحمير في "الزرايب"، أو صوت عالٍ لامرأة تضع مولودها في إحدى الدور.
تسلل بجانب البيت، وقفز من حائط قصير في الخلف فأصبح بداخله. مشى بحرص شديد؛ فهو يعرف تفاصيل البيت جيداً وكم دخله سابقاً حين كان الحاج يذبح في كل عام. نظر في "الزريبة" فوجد المواشي كلها هناك، ما عدا الحمار والبقرة، فتأكد أن ابن الحاج في الغيط.
اطمأن قلبه، ومشى على أطراف أصابعه يكتم أنفاسه. بجانب دهليز البيت على اليمين، وجد حجرة "خزين البيت" والصندوق الخشبي الذي يحوي الحجج وعقود الأرض المسجلة، والعقد الابتدائي المنشود. أخذها جميعاً، دسها في جيب "الصديري"، وخرج من حيث أتى.
في طريق العودة، بدأت الأسئلة تنهش رأسه: "هل أعطي علام هذا العقد الابتدائي فيحرقه ويعطيني الكمبيالات؟ هل أتخلص من هذه الديون وأعيش مرتاحاً منه؟ وما ذنب الحاج صاحب الأرض الذي اشتراها منذ سبعة أشهر؟ أكيد سيسجلها بعد رجوعه من الحجاز.. لقد دفع ثمنها".
تذكر كيف يريد "علام" الاستيلاء عليها، فهو "خفير بالإكراه" على ماكينة طحين يملكها الحاج، وقد نهره الحاج أمام الناس لأنه يستحل الحرام، لذا أراد علام الانتقام لكرامته.
ذهب إلى بيته، أحضر "شيكارة كيماوي" فارغة، ودس كل العقود فيها. مشى نحو أرض النخيل المملوكة للحاج أيضاً، حيث يوجد كوخ صغير وزريبة وشجرة توت عتيقة. حفر بيديه حفرة خفيفة، وضع الشيكارة، وردم عليها وهو يتمتم: "لعل أولاد الحاج عندما يسقون الأرض تطفو أمامهم فيأخذوها.. لن أعطي العقود لعلام.. وليفعل ما يفعل".








































