قصّة قصيرة
خُذهُ منّي باللَّهِ عليكَ يا عَمّ، فمدينتُنا قد اِمتلأتْ حتّى قَرَّرَ الحاكم أنَّهُ لا إنجابَ بعدَ اليوم، وللأسفِ الشديد قد كانتْ امرأتي حاملًا بهذا الذكر، ولم أستطع إجهاضِها خوفًا عليها من أنْ تَفقِدَ حياتها.
استغفرُ اللَّهِ العظيم وأتوبُ إليه، استغفرُ اللَّهِ العظيم وأتوبُ إليه، من أيّ المدائنِ أنتَ يا هذا؟
من مدينةِ سِرّ الحياة، واسمي فِهر، وهذا الولد قد جعلتهُ في كِفالتُكَ بعدَ اللَّه، فلتُسمِّهِ وتُربّيه.
عجبًا لأمركَ فِهر، فسِرّ الحياة مدينةٌ قد قرأتُ عنها وأنا طفلٌ صغير في إحدى قصصِ الخيال، كما أنَّها لم يَكُن لها وجود على أرضِ واقعنا، ثُمَّ إنَّكَ تقولُ قد اِمتلأتْ، بماذا اِمتلأتْ؟
أجابهُ فِهر بأنَّها قد اِمتلأتْ بالأعدادِ التي حدّدها الحاكم من البشرِ والحيوان، لذا تَقَرّرَ عدم الإنجاب.
سألهُ العجوز: وماذا عن الحيوان، أمنعهم الحاكم من الإنجابِ أيضًا؟!
أجاب فِهر: قد تَمَّ ذبح ذكور الحيوان، وبقيتْ الإناث فقط.
عَمّ لم تُعرّفني على اسمك بعد.
اسمي أحمد الحَسن، ولكنْ مَن دَلَّكَ عليّ؟
اسمكَ جميلٌ كأنتَ عَمّ أحمد، لم يَدُلّني عليكَ غير هذا الولد، فطِيلة الطريق يَبكي بشدّة، خصوصًا بعدَ أنْ خرجنا من سِرّ الحياة، لكنْ حينَ نزلتُ بأرضكم واقتربتُ من بيتكَ رأيتهُ سَكَنَ وسَكت، اِبتعدتُ عن بيتكَ فعادَ يَبكي من جديد، فعَلِمتُ أنَّكَ المُراد كما أخبرتني مَنسيّة.
أحمد: ومَن تكونُ مَنسيّة؟
وبماذا أخبرتك؟
فِهر في عُجالة: المعرفة تحتاجُ لسعيٍ عَمّ أحمد، اِبحث عن مدينتنا وستجدْ إجابة ما يدورُ بذهنك، والآن أستودعكَ اللَّهُ الذي لا تضيع ودائعه.. سنظلّ في اِنتظاركَ إلى أنْ تأتينا.
دلفَ أحمد بيتهُ حامِلًا الولدَ بينَ ذراعيه، ثُمَّ وضعهُ في سريره، وأحاطهُ بالوسائد خشيةَ أنْ يَقَعَ على الأرض، وراحَ يبحث لهُ عن لبنٍ يُرضعهُ إيَّاه.
مَرَّ وقتٌ يَسير وعادَ أحمد بلبنِ غنمٍ ليُطعِمَ الرضيع.
اِستطاعَ أنْ يُطعِمَهُ اللبنَ بعدَ عناء، حتّى اِرتوى الولد ونامَ قرير العَين، نَظَرَ إليهِ أحمد فقبَّله، ثُمَّ أخذَ يبحث لهُ عن اسمٍ حتّى هُدِيَ إلى اسمِ منصور.
أضحى أحمد مشغولًا طِيلة اليوم بساعاتهِ الأربع وعشرون، ما بينَ تغذية وتربية منصور، غير الإهتمام بنظافتهِ والعمل على راحته، بالإضافةِ لتوفيرِ الجوّ المُناسب له.
ظَلَّ هكذا حتّى بلغَ منصور عامهُ الخامس، وهُنا تذكّرَ أحمد حديث فِهر عن سِرّ الحياة، فأخذَ يبحث في أرشيفِ مكتبتهِ العتيقة عن ما يَدُلّهُ عليها حتّى وجدَ مُبتغاه.
وَجَدَ كِتابًا قد تغيّرَ لونهُ وسالَ حِبرُ بعض صفحاتهِ نَظرًا لعتاقته، أخذَ يقرأ فيهِ عن سِرّ الحياة، وهل هي حقيقة أم خيال؟
فكانتْ المُفاجأة أو قُلْ الصدمةَ بالنسبةِ له؛ حيثُ تُعَدُّ سِرّ الحياة مدينة خيالية، كانتْ وما كانتْ، لا يعرف عنها إلَّا مَن كانَ لهُ عَلاقةٌ بِها، ولا يظهر سُكّانها للعامّة، فقط يظهرونَ لمَن وثقوا فيه، بعدها يأتمنونهُ أمانة يخشونَ ضياعها، فإنْ كانَ أهلًا للأمانةِ نالَ خير سِرّ الحياة.
ثُمَّ تَابَعَ: ما كُتِبَ بآخرِ صفحة من الكتاب، سيكون هُناكَ مِفتاح، تُفتَح بهِ سِرّ الحياة، لتَرى وتُرَى، لكنَّ مِفتاحها ليسَ من المعدن، وإنَّما هو مِنها وهي منه، يأتي بهِ مُربّيه، الذي أخذهُ من أبيه، لتعودَ لهم السعادة، وتتغيّر عندهم العادة.
وضعَ أحمد الكتاب جانبًا وأخذَ يُفكّر حتّى هداهُ تفكيرهُ إلى أنَّ منصورَ هو المِفتاح، فما سُطِرَ بالكتابِ مُنطبقٌ عليه، لكنْ كيفَ السبيلُ إلى سِرّ الحياة؟
أخذَ يُقلِّب في صفحاتِ الكتاب ثانيةً عَلَّهُ يَجدْ ما يبحث عنه، دقائقَ ووجدَ ما يُريد في الصفحةِ الخامسة بعد المائة، تقول الحكيمة مَنسيّة: سيكون بيتهُ علامة على صدقه، فإذا اِطمأنَّ الرضيع إليه، زادَ الحِملُ عليه، فأخذَ يبحث عن السبيل، ليشفي سؤالهُ العليل، ويبلغَ بالفتى الإكليل، ولم يعلم العجوز أنَّ الفتى هو الدليل.
أغلقَ أحمد الكتاب وأعادهُ لمحلّه، ثُمَّ خرجَ من المكتبةِ ليَرى منصور جالسًا يرسمُ شيئًا ويكأنَّهُ خريطة!
اِقتربَ منهُ وسألهُ: ماذا ترسمُ يا ولدي؟
كانتْ الصدمة في إجابةِ منصور: أرسمُ سِرّ الحياة أبي أحمد.
اِتسعتْ حدقتا أحمد عن آخرهما، ثُمَّ سألهُ: وكيفَ عرفتَ سِرّ الحياة؟
أجابهُ منصور بأنَّهُ يحلُمُ بِها دائمًا، بل ويَرى نفسهُ وهو يفتحُ بوّابتها الضخمة، وشعبها يُرحّب به، ويكأنَّهُ فارسٌ مغوار.
تبسمَ لهُ أحمد ثُمَّ سألهُ: ما رأيك في أنْ نذهبَ إليها؟
تهللتْ أسارير منصور قبلَ أنْ يُضيف: أحقًّا أبي أحمد؟
أجابهُ أحمد بذاتِ البسمة: أجل ولدي، لنُحقِّقَ حُلمكَ سويًا.
أعدَّ أحمد عُدّتهُ وذهبَ بمنصور، بعدَ أنْ أغلقَ بيتهُ الذي يتوّسطُ حِجر الجبل، ثُمَّ زارَ قبر زوجهِ وابنه، قبلَ أنْ يُغادر.
سارا بُناءً على ما رسمهُ منصور، فوصلا بعد يومين، لكنَّهما لم يَجدا بواّبة المدينة، ووجدا جدارًا عظيمًا من الصخر، ظنَّ أحمد أنَّهُ طريقٌ خاطئ، لكنَّهُ تراجعَ عن ظنّهِ حينَ رأى على ميمنةِ الجدار بؤيرة، أخذ منصور وذهبَ إليها، شَرِبَ منصور حتّى اِرتوى، أمَّا أحمد فلم يُنزل بصرهُ عن الجدار.
لحظاتٍ معدوداتٍ وتصدّعَ الجدار، فظهرتْ من خلفهِ البوّابة، فَرِحَ أحمد ونَظَرَ إلى منصور فوقفَ مشدوهًا لا ينبسُ ببنت شفة؛ إذ أنَّ منصورًا قد أصبحَ يافعًا وبدتْ عليهِ علامات النُبل والشجاعة، بينما أحمد كما هو لم يتغيّر.
عَلِمَ أحمد أنَّ ماء البؤيرة رُّبما أُلقيَ بهِ بعض السِّحر، فاحتضنَ منصور وسألهُ إنْ كانَ يشعر بشيءٍ أو لا؟
فأجابهُ منصور بأنَّهُ يشعر بالقوّة.
اِقتربا من البوّابة، طلبَ أحمد من منصور أنْ يحفرَ عليها اسمه، فَعَلَ عن طريقِ حجرٍ من الصخر، فما هي إلَّا ثوانٍ وفُتِحَتْ البوّابة.
دلفا ليُفاجأ أحمد بفِهرٍ ومعهُ جموع أهالي المدينة، تقدّمَ فِهر من منصور وأخذَ يشُمّه، ففاضتْ عيناه، أخبرَ أحمد منصور بما حَدَثَ إذ كانَ رضيعًا فألقى بنفسهِ في حضن أبيه.
سأل أحمد فِهر عن تلكَ البؤيرة، فأجابهُ بأنَّ ماءها لا يُستساغ إلَّا لفاتحِ البوّابة، حينها تطرأ عليهِ تغيُّراتٍ لم يعهدها من قبل.
تبسمَ لهُ أحمد ثُمَّ سألهُ عن عودةِ السعادة وتغيير العادة، فأخبرهُ فِهر بأنَّ السعادة قد حَلّتْ واحتلّتْ المدينة بقدومِ مِفتاحها، وأمَّا عن تغييرِ العادة فهو ما سيفعلهُ منصور (مِفتاح سِرّ الحياة).
فتحَ منصور سائرَ بوّاباتِ سِرّ الحياة، فأصبحتْ تَرى مَن حولها وتُرَى مِمَن حولها، ثُمَّ سافرَ بضعةِ أيَّامٍ بِصُحبةِ رهطٍ من الرجال، وعادوا بذكورِ الحيوان وإناثٍ أيضًا، كما قاموا بهدمِ سقف المدينة الذي كانَ مانعًا الطير من التحليقِ في جوّها، وهدموا أيضًا الأسوار الضخمة التي كانتْ تُحيط بسرِّ الحياة فتمنع عنها أشَّعة الشَّمس، اللهمَّ إلَّا بعض الكوَّات.
أضحتْ سِرّ الحياة مدينة نموذجية بعد أنْ كانتْ خيالية، وما ذاكَ إلَّا بسببِ أحمد الحَسن الذي حافظَ على مِفتاحها، فجعلوهُ حكيمًا لها خلفًا للحكيمة مَنسيّة.








































