نعيشُ الآن عصر إزدهار العِلم؛ حيثُ التقنيات الحديثة والتقدُّم الهائل في التكنولوجيا، وهذهِ هي القوّة التي يُمكن للدولِ التسلُّح بها؛ إذ لا تُضاهيها قوّة، نعم، فالقوّة الحقيقية تَكمُن في أعلى الجسد، في الرأس؛ حيثُ العقل الذي هو مصدر كُلّ جديد، ما دامَ ناشطًا غيرُ عاطلٍ عن العمل، ومع ذلكَ فهُناكَ أُناسٍ يعيشونَ في ظلِّ التقدُّم الهائل للعِلم، والتقنيات الحديثة المُستَخدَمة فيه، بعقلية ما قبل إختراع الحاسوب.
نووووووووووون.. أينَ انتِ بُنيّتي؟
نون: ها قد أتيتُ أُمّي بعدما أنهيتُ تحضيري لحصصِ الغد.
أُمّ نون: لا حرمني اللَّهُ صوتكِ، أُريدُ إخباركِ بأنَّ عمّتكِ ستأتي غدًا هي ورحيم؛ لتناول العشاء، فحاولي ألَّا تتأخري.
نون: وما شأني؟
أُمّ نون: نون تعلمينَ ما أقصد.
نون: ولكنْ أُمّي....
أُمّ نون مُقاطعةً: حاولي ألَّا تتأخري.
نون: كما تُريدينَ أُمّي.
أُمّ نون: حسنًا، سأُخبِرُ أبيكِ ليُعدّ نفسهُ لزيارةِ الغد.
وفي الصباحِ ذهبتْ نون إلى المدرسةِ دونَ إفطار؛ للحاق بحصة الحساب والتي تتقدّم جدول حصص هذا اليوم، لهذهِ المدرسة الابتدائية؛ التي عُيّنَت بها نون كَمُعلّمةٍ لتلك المادة.
دخلت نون الفصل وبعد إلقاء التحيّة على الأطفال، أخذتْ تكتب على السبّورة بعض المسائل الحسابية المُقررة على هذا الصّف الأوّل الابتدائي، أثناء ذلكَ سقط إصبع الطباشير من يدها؛ وكادت أنْ تسقط هي، لولا إتكاؤها على كُرسييٍ قريبٍ منها، وأخذتْ تتأوه مُمسكةً بأسفل بطنها، شعرَ الأطفال بالخوفِ إزاء مُعلّمتهم؛ ممّا دَفَعَ أحدهم للذهابِ لمكتبِ المُدير والمُلاصق لفصلهم، بعد لحظاتٍ أتى التلميذ بصُحبةِ المُدير ومعهُ المُعلّمة إسراء؛ لرؤية زميلتها.
المُدير: أستاذة نون ما بكِ؟
نون بصوتٍ باكٍ مُتألم: أشعرُ بالتعب.
إسراء مُسُّرةً لنون: نون أنزل عليكِ الحيض؟
نون بصوتٍ لا يكاد يُسمع:أجل.
إسراء مُسُّرةً للمُدير: سيادة المُدير نون مُتعَبة ولن تسطيع إكمال اليوم؛ فهل تأذن لها بالعودة للبيت؟
المُدير مُسِّرًا لإسراء: ممّا تشتكي؟
المُدير بعدما أخبرتهُ إسراء: أستاذة إسراء إصحبيها إلى البيت، وأنتِ أستاذة نون في إجازةٍ مرضية من الآنِ وحتّى ينقضي عذركِ.
نون بعد أنْ كاد يُغشى عليها: شكرًا سيادة المُدير.
أوصلتها إسراء البيت ووعدتها أنْ تأتيها في وقتٍ ما.
أُمّ نون: ما بكِ بُنيّتي؟!
نون وقد خارت قواها: الحيضُ أُمّي جعلني أموتُ وجعًا!
أُمّ نون وقد اِحتضنتها: آهٍ نون، كيفَ تحيضينَ قبل موعدُكِ باسبوعين؟
ولماذا كُلّ هذا الألم؟
نون: أُمّي شكيتُ إليكِ ألمي مُذ أوّل حَيضة نزلتْ عليَّ ولكنَّكِ أخبرتيني بأنَّ جميع الفتيات يشعرنَّ بما أشعرُ به، أُمّي أنا لم أعُد أحتمل.
أُمّ نون: أجل بُنيّتي، ومَن مِنّا لا تشعر بألمِ الحيض؛ فهذه طبيعتُنا.
نون باكية ومتوجّعة: أُمّي ليستْ طبيعتُنا؛ فزميلاتي يقضينَّ أيَّام حيضهنَّ كما لم يحضن، ولا يتغيبنَّ عن العملِ كما ابنتُك، أُمّي ليسَ طبيعيًا أنْ أقضي أيَّام حيضي بدورةِ المياه؛ لكثرةِ وغزارةِ طمثي، بالإضافةِ لقيئي وغثياني، أُمّي ليسَ طبيعيًا أنْ تُشلَّ رجلاي؛ لتشنجنٍ أصابهما، أُمّي ليسَ طبيعيًا أنْ اُحقن بالمسّكناتِ دونَ ن جدوى، أُمّي ليسَ طبيعيًا أنْ يكونَ حيضي عذابًا لي.
أُمّ نون بصوتٍ حنون: إذن ما العمل بُنيّتي وقد اِقترب موعد الضيوف؟
نون: أُمّي باللَّهِ عليكِ لا تُحدّثيني في شيءٍ كهذا؟
فأنا لا أقدر على الوقوف، فكيف لي بمقابلتهم؟!
أُمّ نون: بالتحمُّل، تحاملي على نفسكِ بُنيّتي؛ كي تمضي الليلة على خير.
نون: باللَّهِ لا أقدرُ أُمّي.
أُمّ نون: إذن ماذا أفعل نون؟
نون: أخبريهم أنَّني مريضة.
أُمّ نون: ماذا، ماذا تقولين؟
أجُننتِ نون؟
أُخبرُ مَن يريدُ خِطبتُكِ بأنَّكِ مريضة!!!
أيُرضيكِ أنْ يلحقَ بنا العار؟!
نون: بالطبعِ لا يُرضيني أُمّي، فقط أُريدُ الذهاب لطبيبة النساء؟!
أُمّ نون: هكذا إذًا، ألم أقُلْ لكِ اِنسي هذا الأمر؟ أم أنَّها عادتُكِ كُلّ حيض، أنتِ تتدللين.
نون مندهشة: أنتِ مَن تقولينَ هذا أُمّي؟!!
أُمّ نون: كيفَ تذهب بِكرٌ لطبيبةِ النساء؟!
وماذا سيقول النَّاس عنّا؟
وهل سيتقدّم أحدٌ لخِطبتُكِ بعد الذي قلتِ؟ وماذا سيفعل أبيكِ إن عَلِمَ بقولكِ؟؟
نون باكية: أُمّي باللَّهِ عليكِ.
أُمّ نون: إلتزمي الصمت، فمثلكِ لا يُسمع لها، أتظنّينَ نفسكِ صغيرة؟
أفيقي آنسة نون؛ فأنتِ الآن فى الثانية والثلاثين من عمركِ، أتفهمين؟؟!
نون: أُمّي.
أُمّ نون: قُضيَ الأمر.
أخذتْ نون تُناجي ربَّها؛ كي يرحمها من مجيء عمّتُها وابنها رحيم.
فسبحانَ اللَّه!
ولأنَّ اللَّهَ أعلمُ بحالها؛ فإذ بصُدفةٍ قدرية تُعيقهما عن المجيء؛ حيثُ تَمَّ نقل راجيةإلى المستشفى _الابنة الوحيدة لعمّتها وشقيقة رحيم ونصفه الثاني_ إذ جاءها المَخاض، فذهبتْ إليها أُمّ رحيم وابنها، ومِن ثَمَّ إعتذرا عن الميعاد طالبينَ تأجيله للاسبوع القادم.
فرحت نون حينَ عَلِمَتْ بالخبر من أُمّها.
حضَّرت أُمّ نون العشاء ليحيى زوجها ووالد نون، وبعدما انتهيا من تناوله، سألها عن نونٍ فأخبرتهُ بقصّتها، ما جعلهُ يهرول نحو الأعلى؛ حيثُ غُرفة نون، ثُمَّ طرق الباب.
نون: مَن الطارق؟
يحيى: صديقكِ نون!
نون مُبتسمة: تفضل بالدخول أبي تفضل.
دلفَ يحيى وجلس لجوار ابنته محدُّثها في عطفٍ: قطعةُ قلبي ما بكِ؟
نون بعدما اغرورقتْ عيناها بالدموع: أموتُ وجعًا أبي.
يحيى وقد احتضنها باكيًا: لا أحياني اللَّهُ ليومٍ كهذا بُنيّتي، لا عليكِ فسيُعافيكِ اللَّهُ عمّا قريب.
نون أتستطيعينَ مُساعدتي فى إيصالكِ للسيارة؟
نون في دهشة: ولِمَ أبي؟
يحيى: لدينا زيارة لطبيبة النساء، أتُمانعين؟
نون في سعادة: أحقًّا ما أسمعُ أبي؟!!
يحيى: وعينُ الحقِّ بُنيّتي.
أثناء ذلك، دخلت أُمّ نون الغُرفة.
يحيى: ندى ستأتينَ معنا أم ماذا؟
ندى: إلى أين؟
يحيى: إلى طبيبة النساء.
ندى مُذبهلّة: لا آتي ولن تذهبا.
يحيى: ولِمَ أُمّ نون؟
ندى: لا يصّحُ لنا فِعلٌ كهذا؛ فنَحنُ نعيشُ في قرية، مبدأيها العيبُ والعار، ولا يحقُّ مُخالفة ذلك، ثُمَّ لا تُقلق نفسك؛ فستعود خيرًا ممّا كانتْ بعد انقضاء الحيض، هي هكذا مُذ حاضتْ مُنذُ الثامنة عشر من عُمرها.
يحيى غاضبًا: كيف تجرؤينَ على قولٍ كهذا؟ فهذه بضعتي، وثمرةُ فؤادي، كيف لي أنْ أتركها بحالٍ كهذه؟!
يكفي انشغالي عنها بعملي خارج مصر، كما أنَّ أهل القرية لا يُراقبوننا؛ كي يعلموا بذهابنا لطبيبة النساء أو غيرها.
أردفت أُمّ نون: وماذا ستقول لأختك أُمّ رحيم؟
يحيى بعد نظرة مُطمئنة لنون: سنؤجل هذا الموضوع لحين تعافي ابنتي وحينها تفعل هي ما شاءت، وستوافق أُختي أُمّ رحيم؛ فهي لا تردّ لي كلمة، أمَّا عنكِ فسامحكِ اللَّهُ على إهمالُكِ لبضعتكِ نون.
العيبُ أُمّ نون يكمن في تقصيرنا بحقِّ فتياتنا اللاتى هُنَّ أمانةٌ في رقابنا، وأمَّا العار ففي تمّسُكنا بأخطاءٍ جسيمة يُمكن أنْ تؤدي لضياعِ الأمانة، فكيفَ نُفكّر بقديمِ الأثرِ في ظِلِّ جديد العِلم؟؟!
إنْ أردتِ التكفير عن ذنبكِ أُمّ نون؛ فعليكِ بنُصح صديقاتكِ ليفعلنَّ مِثلنا.
ثُمَّ حمل نون وأركبها السيّارة وذهب لفحصها، وبعد عودتهِ نَهَرَ زوجه: أريحي نفسكِ الآن أُمّ نون، فكدتِ قتلُ ابنتُكِ بصمتكِ على مرضٍ يأكل أمومتها، ويَشُلّ حركتها، وينسف حيويتها، ويُدّمّر خصوبتها، مرضٌ لا يعلمهُ الكثيرون ولا يكتشفونهُ مبّكرًا؛ لخُبثهِ ومكره.
أخبرتنا الطبيبة التي في المركز، بإصابة نون بمرض (بطانة الرحم المهاجرة) ونصحتنا بالذهاب للقاهرة؛ حيثُ الإمكانات والكفاءات والخِبرة.
أُمّ نون: ويلٌ لي ثُمَّ ويلٌ لي على ما فعلتُ بابنتي، يحيى أأعطتكم عنوانًا لنذهب إليه؟
يحيى: أجل، قالت لنا إنَّ دواء نون الآن في مُستشفى الأُمم؛ فبها كُلّ ما تحتاج إليهِ نون من أطباء، وأجهزةٍ حديثة وخبراتٍ وكفاءات؛ فهي صرحٌ عِلميٌ أوروبي ذو طابع مصرى، وبها قسمٌ للآنساتِ فلا تقلقي، وهيّا حزّمي أمتعتكما وسأذهب لتفقد السيّارة، فالأمل ينتظرنا بمُستشفى الأمم.
سخّرَ اللَّهُ لنا العِلم والتقنيات الحديثة لإفادتنا في حياتنا العِلمية والعملية، فلِمَ نُنكر وجودها؟ بإتباعنا لأخطاء الماضي ونحن في محطة الحاضر إنتظارًا للمُستقبل!








































