وقفتْ "مي" أمام مرآتها - بعد أن أبرمتْ ميعادًا مع "فارس" كي يتقابلا - تتمعَّنُ في جسدها، تنظر في زهوٍ لتلك الشفاه المكتنزة، والوَجْنتين الممتلئتين، والجيد الممشوق، والعنقودان المشدودان، والجسد متناسق القوَام، فقد صارت تُحب جسدها، قد عشقته بعين "فارس" الذي يتغزل فيه دومًا.
تسأل في نفسها وهي واقفة أمام مرآتها:
- أيُحبُّ الرَّجلُ ذلك الجسد حُبًّا للجمال أم ميلًا لشهوته؟ بل ماذا تعني شهوة؟
تسمع دومًا تحذيرات أمها، أن جسدها حَلوَى يتلهفُ عليها كل رجل جُوعًا، ويجب عليها إحاطته بكل الطرق كيلا يذهب في غير حلال.
الحلال للجسد هو الحُب، فالجسد لا يعني شيئًا بين محبيْنِ، وعفاف القلب أوجَب وألزَم من عفافِ الجسد، ونقاء الروح يُقنن تأجج الشهوة. هكذا رددتْ في نفسها تجنُّبًا لصراع فكرها من تحذيرات أمها، أو ربما تبريرًا لمنح حلواها لفارسها.
أفاقت من شرودها على صوت تحليق فراشة على نافذتها، على جناحيها مسحة ألوان جميلة، تُحلق فرحة، تسلتقي بجسدها الرشيق على ضوءِ الشمس الآتي من خارج النافذة فتلمع أجنحتها بجميل ألوانها، وقفتْ على حافة النَّافذة في سكونٍ وجدته في هدوئها وعدم تخوفها منها، فراشةٌ سَكَنَتْ إلى فَراشة، وروح ألفت مثيلتها.
سألتها "مي":
- أجمالُكِ - يا فاتنة الألوان - يُطْمِعُ فيكِ غيرَكِ؟
حلقتْ الفراشةُ حولها بعد أن دخلتْ الغرفة مُنبِئة عن نقاء يستنفر أي طمع.
- أتُحبها بصدق يا فارس؟
سأله صديقه الجالس معه يُشاركه الحديث عن الظفرِ بالفتيات، وعن صولاتهما وجولاتهما في عالم الحُبّ، بعد أن أنهى مع "مي" مكالمة دافئة، وبعد كيل من عبارات الحب والوَله في مهاتفتهما.
تذكر لقاءاتهما العديدة، قبلاتهما، لمساته المتوَغِّلة، كل رشفِهِ رشفها من رحيق جسدها، تذكر نفس السؤال حينما سألته له "مي" ذات لقاء، فأجابها حينها بقوله: بل لم أعرفْ الحب إلا معكِ. يذكر حينها جيدًا أنه كان يقول ذلك رغبة في تلك السعادة التي لمعت في عينيها من إجابته، وزيادة تعلقها به، لكنه صِدقًا لم يكن يشعر بذلك داخله، لكنه كان يشعرُ بزهو من فاز بأميرةٍ تهافتت عليها القلوب، ويستلذ تلك النظرة الحاسدة في عيني أصدقائه كلما تحدث عنها أمامهم، وقد كان حينها يمزج عسل الحب بسم الشهوة.
كرَّرَ عليه صديقه السؤال فالتفت إليه في شُرودٍ وصَمتَ، لم يستطع الإجابة بشيء، فربما إن كان ذلك سؤالها لأجابها بالتأكيد، وبنفس الكلمات المـُكررة، لكنه مع صديقهِ غير مُلزم بالإجابة، ولا يريد الكذب أكثر من ذلك، هكذا شعر في نفسه، لذا فَضَّلَ الصمت.
جذب انتباه الفراشة - بينما كانت تطير من غرفة مي - شبكة عنكبوت على يمين نافذة الغرفة، راقتها، ودَّت أن تُصادق عنكبوتًا، فاقتربت من شبكته مُحِبـَّـة، اقتربت مُفْتَتِنَة بهدوءِ العنكبوت وجَمالِ شَبَكَتِه.
- فارس، ماذا أعني لكَ؟
سألت "مي" فارس ذلك السؤال وهما في لحظة قُربهما، بعد طول عِناق كانت تَروي منه شوقها إليه، بينما هو كان يَروي منها شوقه لجسدها، فمضتْ يداه تعبث في جسدها كله، تُداعب في نهمٍ وتأكل بضراوة، هي لا تشعر بلذة جسد عكس ما تشعر بلذة قربه وحبه، وطالما كَذَّبتْ إحساسها أنه لا يريدها بل يُريد ذلك الجسد، فقد أرادت أن تلبسه جناحين وتعرج به إلى سمائِها، إلى فلسفة الحب، يُحلقان فيها بمعاني العشق سويًّا.
توقف عن عناقها، ووقفت يداه على مضض منه، ثم قال بأنفاس ملتهبة ممتزجة بشهوته:
- تعني... تعني كل شيء لي، فأنا… أنا لم أستطع العيش دونكَ وأنتِ تعلمين.
قال كلماته وهو يعلم يقينًا داخله أنه قد أحب فيها ذلك الجسد المتدلي على أشجار أنوثتها، وأَسَرَتْه تلك اللذة التي تنطفئ حيال اشتعالها.
طارتْ الفراشة بأجنحتها، جميلة الألوان، وحطَّت على شباك عنكبوتها تستقي من قربه رحيق الحياة مثلما ظنَّت، ترتشف ما يروي قلبها فرحًا، وما يُهدي روحها الحياة، حتى أسقطها في شباكه بدهائه، أسقطها لا ليأكلها قدر أن يستمتع بعذابها وتألمها، كي يُثبت لنفسه أنه الأجدر بالتهامها، كي يُعوض بذلك ذكورته المهملة.
ثملت "مي" من كلمات فارسها المزعوم وهو يَنْهال عليها بكلماته المعسولة بعد سؤالها ذاك، أيقنتْ كل اليقين أنه يُحبها ولا يخدعها مثلما أخبرتها صديقتها المـُقربة، أيقنت أنه الوحيد في ذلك العالم الذي يخاف عليها بصدق والأجدرُ بحبها.
ردَّ فارس داخل نفسه - وهو يلتهم في جسدها - جملة أصدقائه والتي يقتنع بها:
- الفتاة التي وهبتني جسدها لا تستحق حُبي.
تلك كانت الحقيقة التي أحجبها عنها، فقد أنكر بجحود ذكوري أنه قد استحلَّ ذلك الجسد بكلمات حُبِّه الكاذبة، وأنها إن كانت عفيفة لما وهبته عِفَّةُ جسدها، لكنها قد وهبته روحها وقلبها قبل جسدها، ظنًّا منها ألا كذب في حبٍّ ولا خِداع في عشقٍّ؛ وقد أيقنت كل اليقين أن كلمة "أحبكِ" تلك تنبع من القلب ولا كذب فيها؛ هي عقد وثاق بينهما، وقد رمت بعرض الحائط كلمات أمها، أن جسدها حَلوى يتلهفُ عليها كل رجل جُوعًا.
احتضنته أكثر بحبٍّ وعانقته بلهفة، وأخبرته بمدى عشقها له بهمس جميل في أذنه، أنها تعشقه دونَ العالمِ أجمع، وقد أثمله ذلك بشدة، وترجمه داخل عقله الشهواني أن ذلك احتدام شهوتها واستلذاذها بما يَفعل، وطلبًا للمزيد، فاشتعلت شهوته واحتدمتْ.
لم يَرعَ العنكبوت طيبة فراشته، ومرَّتْ توسلاتها للتحليق مرة أخرى على مسامعه مرور الكرام، بعدما شعرتْ أنه قد أغلق شباكه عليها طَمَعًا، وقد حاولتْ الفرار لكن بعد فوات الأوان، بعد أن هجم عليها العنكبوت ينهش جمالها.
قَد خُلقتْ شباك الصيد لسد الجوع، لا لإشباع النقص.
- فارس! ماذا تفعل يا مجنون؟
سألته وهي تمنعه برفق وتضحك من جنونه، فلم تشعر بخطورة حُبه عليها، ولم تدرك حينها مآل فِعله.
سعدتْ من نيله جسدها، حلواها، تحت مُسمى حُبه، وهو لم يدعها إلا بعد أن ذاق من رحيقها كله وارتشف عذريتها؛ ترى أن جسدها أهون وأبسط ما يمكن أن تهبه له، فهو يحبها بصدق حسبما تتوهم!
لم يكتفِ العنكبوت بالتهام جناحي الفراشة، فأنفدَ نابه يخترق قلبها، وحين لحظة نشوة بعد أن ارتشف دم قلبها تركها، تركها وقلبها مُلوَّثٌ بدَنس نابه.
تركها منطفأة، ولسان حالها يصرخ: إن أوهن القلوب قلوب المعتدين، وأهش الشباك شباكهم، وأظلمَ الظلم سلب ما ليس لنا فيه حق.
انطفأ فتيل حب "فارس" بعد ذلك اللقاء وصار واهنًا، وحرارة شوقه باردة، فارتدى لها رداء الانشغال، وفي ذلك الحين شعرتْ أن في حبه شيئًا مُريبًا.
هاتفته، أجابها بعد لَأْىٍ، أنّ انشغَالٌ قد واتاه تلك الفترة، ووقته ليس ملكه، وحينما ارتجت منه لهيب شوقه إليها كالمعتاد كانَ مائعًا مذاقُهُ، وكان مُبطئَ الإفاضة إليها بخلجات حبه كعادته.
سألته عن غيابه فطلب منها الابتعاد دونما تمهيد، فلم يصلحا لبعض كما كان يَزعم، فقد عَلم أنه كان لا يُحبها كل تلك الفترة، هكذا قال لها بقولٍ باردٍ قبل أن يقطع خط الوصلِ بينهما نهائيًّا.
سقط منها الهاتف وهي أمام مرآتها، ارتجفَ جسدها، وتكوَّرَت في صدرها آهةٌ لو أطلقتها حينها لفلقتْ صَدرها وهشمته.
الآن تكره أنوثتها، تلعن ثمارها، تبغض جسدها بكل ما أوتيتْ من حقدٍ، فقد كان سببًا في حبها الوهمي، تنهال دموعها أسًى على خسارتيها، حُبها وجسدها، تلعن لحظة أن ذاقت الحب، تصرخُ بصوتٍ مكتوم: ألا لعنة الله على الحب والمحبين.
لاحت بنظرها تجاه نافذتها فوجدت تلك الفراشة قد تحللت في شباك العنكبوت وتآكلت أجنحتها، رأتها هيكلًا هَشًّا مُحطمًا، بعدما كانت رمزًا للجمال، فلم يرأفِ العنكبوت بحالها، لم يتركْ لها بصيص أمل تُكمل به ترنمها وشدوها، فلم يرَ العنكبوت فيها سوى شهوته للصيد، ولم يُشبع في نفسه سوى لذة مَنَحَته نشوة لثوانٍ معدودة، فَصَيَّرَها رمزًا للقبح، رمزًا للنبذ!
أفاضت "مي" لأمها أنها قد فرَّطت في حَلواها لذئب، أن ذكرًا جائعًا التهمها بمحض رغبتها، فنُبذتْ وحُمِّلتْ خطيئتها ضعفين، وضربتْ وأهينتْ بقسوة، ولازمتها كلمة الدَّنسُ منذ تلك اللحظة ومنذ ذلك البوح، بينما "فارس" حينما أخبرتْ أمها عنه قالت لها إنه غير مُخطئ، فهو رجلٌ!
- الذكر في مجتمعنا يا أمي إلهٌ للطهر، والأنثى معبودة الخطايا، والعالم يا أمي هشَّ الإنصاف، يقبع عند أرجل الظلم، يَتَمسَّحُ فيهما ظانًّا منه أنه إله العدل.
فأنا الآن مخطئة، مذنبةٌ، منبوذةٌ، مُستحقرَة، شاذَّةٌ عن الجميع؛ قد أُودِع على عاتقي جُل ما حدث، بينما هو، فارس، العنكبوت، يُعيد شباكه من جديد، يُحكمها جيدًا كي يصطاد المزيد، كي يبني عُشه من أجنحة الفراشات المغتصبة، يفعل كل ذلك بمباركة جُملتكِ يا أمي، وبقناعة مجتمعي، أنَّه غيرَ مُخطِئ لأنه ... رَجُل.
كرهتُ كوني يا أمي أنثى في مجتمعٍ لا يحتفي بي، مجتمعٍ ينبذني بقوة ويلفظني بجمود، عقل مجتمعي يا أماه ناقص، عقل مجتمعي لا يعقل، عقل مجتمعي مُذكر لا يعترف بنصفه الأنثوي.
هَاتفته بعد طول قهرٍ، وبعد صراع شوقِ ولهيب ألم وتندُّمٍ، بعد تبدُّل قناعاتها، أنها الوحيدة من أخطأتْ.
أخبرته أنها قد اشتاقت إليه، بادلها كلمات الشوق، بعدما بدأت نار شوقه لجسدها تشتعل من جديد، كانت تشعر تلك المرة بِسُمِّهِ المعسول كأنه نار تأكل في قلبها. طلب منها لقاءً جديدًا فوافقت دون تردد، فلم يَعدْ في أنوثتها شيء تخشى عليه، ولم يُزد ذلك على خطيئتها خطيئة.
أتى اللقاء حَاملًا معه نكهة سعادة جديدة لفارسها، كان يوم عيده ويوم عيدها أيضًا، فقد كانت سعيدة فَرحة بذلك اللقاء أيما فرح، تنتظره بفارغ صبر مثلما ينتظر، يشعر حينها بفخر ذكورته، وأنها لم تعد تحْتَملُ حرمانها من غزواته في جسدها، فردَّدَ في فخرٍ حينها: لبؤةٌ أدمَنَت عَزفَ أسدِهَا على جَسدِها واشتاقت إليه.
صار الهواء كلما هبَّتْ نسائمه يُحرك هيكل الفراشة في شباك العنكبوت كيفما شاء، بعدما كانت تُسخّره وتطير خلاله بجناحيها، فتآكلت وتحللَتْ، وخَبا نور الجمال فيها كليًّا، وحينما اشتد جوع العنكبوت ولم يجد سوى هيكلها التهم بقيتها، لكن بقيتها كانت قاسية تلك المرة، لم تهضمها أمعاؤه، فقطعتها بقسوة كقسوته معها آنفًا.
على أنغام موسيقى هادئة - وبين عطر "مي" الساحر الذي يتناثر في ذرات الهواء بعبيره - تراقصَا سويًّا في شقة فارس للمرة الثانية، في شباكه التي طالما حاول جاهدًا أن تدخلها بملء حريتها، تهامسا بكلمات الحب وكلمات العتاب، قال لها في فرحٍ: هكذا تكون الحياة، نقطف متعتنا منها ونسعد، فما فائدة كلمات الوله إلا في لقاءٍ كهذا؟
أجابته مُبتسمة: صدقتْ، قد كُنتُ غبية.
اشتعلت نار القرب حتى طفق يلتهم في جسدها بجنون، وبعد لحظاتٍ صارا عاريين، دفعته بلطفٍ - فأوقعته على سريره وقد كانا واقفيْن - قائلة:
- دعني ألتهم كل جزءٍ فيكَ تلك المرَّة، دعني أحتضن تفاصيل جسدك، فلتجرِّب إذًا لمساتي وترى تلميذتُك كيف صَارت.
- هأنذا مِلْكَ يديكِ محبوبتي.
قال جملته بشهوة عارمة جعلت جسده ينتفض من لهيب كلماتها.
- أمحبوتُك بصدق؟
سألته بعد أن استلقى على سريره مغمض العينين وتركها تفعل ما طلبت منه بكل استمتاع منه.
- بل لم أحب أحدًا مثلما أحببتكِ.
اقتربت منه بلمسات يدها وشفتيها قائلة:
- صــــادق.
بدأت تجول بأصابعها على جسده العاري بدءًا من رقبته مرورًا بصدره، وهو مسترخٍ منتشٍ هائمٌ، وأصابعها تُكمل وتوشي إليه باشتهائها له، حتى وصلتْ إلى فخذيه، فباتت تتلمس ذلك الناب الذي قد أفسد عليها حلواها، بينما هو كان في قمة انتشائه ونشوته، يتأوَّه متعةً ويتغزل في حبها بأعذب كلمات حبه التي كانت تسمعها منه دومًا.
مدَّت يدها في حقيبتها جانبها ثم أخرجت سكينًا، وبخِفَّة يدٍ وقسوة قلبٍ سهر لياليه باكيًا جزَّت تلك الفراشة الرقيقة نابه بمتعة غريبة، ليتأوَّه تلك المرة ألمـًا ويبكي صُراخًا، فوقفتْ تروي من المشهدِ ثأرها وتروي من الدَّم جزعها، قائلة:
هَكَذَا أصْبَحَ جُرحُنا وَاحدًا، فلا أنَا عُدتُ أنثى ولا أنتَ عُدتُ رَجُـ... ذَكَرًا.








































