ما أجمل الانسياق للموتِ بمحض إرادتنا، وما أجمل الاقتراب من النار رغم ضراوتها!
هكذا كانت تُردد - بصوتٍ واهنٍ وعينين شاردتين وهي جالسةٌ أمامي - جملتها التي كانت تصخب في فكرها وهي في وسط المياه بعد أن جعلت الأمواج تتخاطفها حينها كيفما شاءت، وبعد أن أمسكت بحبل الموتِ الذي قد أُلقيَ إليها في لحظتها تلك.
لَاكتها الأمواج بفرحٍ، تلمَّظتْ بها كأسد جائع، بينما هي تركت نفسها بلا مقاومة، كي تستطيع روحها أن تنسلخ كما كانت تريد.
تردد في نفسها:
- الحياة الحَقَّة فعل المـُستحيل، امتطاء الصَّعبِ رغم الضعف، احتساء السُّمِّ رغم لَظَى بَوَائقه.
احتدَّت المياه وطَفقت تُهرول إلى جوفها، كان أيسر عليها أن ترفع وجهها وتستنشق هواءها المنبوذ رغمًا عنه، لكنها لم تُرد له ذلك.
وقفتْ بعد أن كانت تستلقي أمامي على "الشيزلونج" تجول إليَّ بما يؤرق عَيْشَهَا، أجلس أستمع إليها في تركيز تام، أحاول سبر أغوار تلك الملامح الملائكية التي لا تُوحي بأي صراع مما يدور داخلها.
اقتربتْ من قفصٍ على يسارنا داخله عصفوران، كان يختلط تغريدهما بحديثها، أمسكت بهما بعد أن هلعا من الذعر والخوف من مسكها إياهما وتناثُرْ بعض ريشهما في الهواء، ثم هدءا بعض الشيء، اقتربت من النافذة وهما في يدها، ثم أطلقتْ سراحهما دون إظهار أي ردة فعل منِّي، رغم امتعاضي مما فعلتْ.
عادت لمكانها وهي تقول دون النظر إليَّ:
- دعهما يغرقا في أمواج الحياة أفضل من غرقهما في أمواجكَ.
تذوقتْ أول قطرات غريمها المالحة، تذوَّقتْها مبتسمة لبسمته وهو ينال منها، لكنَّ جسدها رفضها بإخلاص شديد للحياة، رفضها بانتفاضة قوية منه جعلها تكاد تلفظ قلبها من أحشائها وهي تسعل بشدة، لسان عِندها وإصرارها على الموت يقول:
- الفاني يحنُّ إلى الفاني مثله، لكن الروح تتوق إلى الخلاص من الفناء الذي قد أسرتْ فيه.
تنظر لردة فعل جسدها بسخرية، ترفض فيه ذلك التشبث بالحياة، ليست الحياة ما تجعلها تستلين للأمواج، لكنها تستجلبُ حياةً من عذابها، كأنَّ في عذاب جسدها لذةً، وفي إمساك قبس النار مُتعة قبل عذاب حرقه!
تخلَّلتْ المياه جوفها، تلج داخلها مسرعة كجند اقتحموا مدينة عاثرة، فتربعت على عرشها المنهَك، حتى سَرَت إلى رئتيها بضع قطرات منها رغم سعالها وانتفاضاتها الـمـُرغمة عليها بفعل تلقائي من جسدها المسكين، انبرتْ لتلك القطرات مهارتها في السباحة تَسْتَلُّ سيف مقاومتها، كيما تلفظ من جسد صاحبتها ذلك الجند المغتصب، لكنها أشارت إليها بالاستلانة، وحينما أبت - كإيباء جسدها - أحكمت قبضة عِنْدِهَا على التَمرُّد عِنْدَهَا، فأوصدتْ باب النجاة في وجهِ جسدها المسكين، فاستكان على مضض، وبضع زمجرة غاضبة، وسعال كانت تُحاول كتمه يجعل صدرها ينتفض غضبًا.
دمعتْ عيناها دمعة سائلة: آلتلذذ بالعذاب يُوحي بمدى قتامة الحياة أم أنَّ في عذابي بضع حياة لم يكن في الحياة؟
رأتْ حياتها، طفولتها، ذكرياتها، شريطًا يمر بتمهلٍ، بتمهلٍ شديد، جُلُّ حياتها تصخب من حولها، بينما هي تبتسم بدمعات تظنها وليدة جسدها الفاني.
رأتْ بسمةَ أبيها وهو يلقيها لأعلى فتضحك، تلك الضحكات الوحيدة التي تتذكرها من أعوامها المنصرمة، ربما تلك بذرة الفرحة الأولى التي نبتت في أرضها الخصبة آنذاك؛ تبسمتْ بثقة وأمان للمياه وهي تدخل جوفها كما كانت تتبسم لأبيها وهو يُلقيها لأعلى، لكن شتَّانَ بين أمان واحتلال.
- أمَا خَشيتِ من إزهاق روحكِ بنفسكِ حينها، أما خشيتِ من الندمِ؟
- في حالاتِ اليأسِ والنّشوة لا ينخر عزيمتنا شيء، لم أكن أريد الموتَ للموتِ، أنا أخطف من اللحظة الفارقة بين الحياة والموت نشوة لا أدري لمَ عشقتها؟ أريد أن أقف على حَدِّي الفاصل بين عَيشِي وموتي، أريد أن أستنشق مزيج الموت والحياة، العذاب والراحة، التيه والوصول...
أفكار شتى كانت تتضارب في عقلها، ومياه شتى تتضارب في جسدها.
انبرى لها أحدهم كي يحملها من بين فكي الأمواج إلى اليابسة، فرأته يجذبها بقوة من يابستها إلى جوف أمواج بحر حياتها الهائج، تشعر أن لحظة متعتها ستنتهي بمحاولة إنقاذها، لكنها قتلت ذلك الشعور بتماديها في رفض مقاومة جسدها.
حلقت روحها في العلياء بعد أن انسلَّت من جسدها، تطير بِحُرِّيَة ماتعة، تاركة بقاياها الفانية مُستلقية على الشاطئ، وهم يُحاولون إيهامها الحياة، بعد أن حمل منقذها جسدها إلى الشاطئ، تُحاول منع ذلك الجسد من التشبث بحبل العيش الواهن، يلتفُّ حولها الجميع محزونين بائسين.
- أسعدتِ لكسر قوانين العقل والمنطق؟
أمسكتْ بسيجارتي التي قد انتصفتْ، ثم أخذت منها نَفَسًا عميقًا كتمته لُحَيظات، ثم نفثته لأعلى سائلة:
- ما الفرقُ بين الدُّخان الخارج من فمي والدخان الخارج من السيجارة؟
- بغض النظر عن بخار الماء المختلط بالأول، فكلاهما واحد.
- غبيٌّ؛ الخارج من فمي قد مَشى في جبرية الحياة ودورتها حتى خرجَ من فيهي موتًا، أما الآخر تمرَّد واختار موته بنفسه وبطريقته، حتى وإن كانت الهلاك. فكلاهما ليس واحدًا.
ضحكتْ ضحكاتٍ خفيضةً، ثم علتْ ضحكاتها حتى صارت قهقهاتٍ، ثم ركَّزتْ نظرها على بقايا سيجارتي المحترقة التي بين يديها وهي تميل بهشاشتها حت ىسقطتْ تلك البقايا وتناثرت على الأرض، استطردتْ - بعد أن أشعلتْ غيرها - وهي تُشير لتلك البقايا:
- كل شيء مآله الفناء، وهُناك فرق بين السَّيْرُ في نهجيّةٍ مُجبرًا وبين….
قصمت السيجارة التي أشعلتها من منتصفها فصارت جزأين، جزءًا مشتعلًا وآخر غير مشتعلٍ، ثم أردفت:
- وبين اختيار ما تُريدُ حُرِّيَةً.
حلَّقتْ لأعلى بجناحي حريتها وهي تضحك، تنظر إليهم وهو يحاولون جلب روحها للحياة مرة أخرى، لكن رجفة شديدة سَرَتْ في روحها حينما أيقنتْ أنها تُقدِمُ على الخلاصِ، ليس ثمة خيار الآن، قد حُسم الأمر.
وقفت في وجلٍ تُحادث نفسها في صراعٍ:
- لقد قتلتُ نفسي، لقد صِرتُ آثمة في سبيل الحريَّة، لقد أغرتني تفاحتها المسمومة...
لا...
بل جسدكِ هو تفاحة الحياة المسمومة يا وَاهِنة...
لا...
كيف أسلب من نفسي ما لا أملك؟
أفي قتل نفسي حُريَّة أم حُريَّتها هوالقتل؟
شتَّت أفكارها المتشرذمة حالها، وأفزعها حال أمها الباكية ورَاعها بكاؤها، حينما تأكدت أن تلك المـُلقاة على الشاطئ ابنتها، تهرول إليها صارخة، ويهرول على صراخها والدها.
لم تَرَ مثل ذلك الاهتمام من قبل، كأَّن الحنان لا يُوهَب إلا في لحظات الفراق، وكأنَّ الحُب يسيل في أوقات الوداع فيضًا.
تغاضت بنظرها بعيدًا، كيلا تستلين لتلك المشاعر الدافئة، تُحلق كفراشة أعلاهم، لذا لم تسمحْ لمشاعرها قتل استسلامها، ولم يأبَهْ جسدها لضغط أحدهم على صدرها بقوة كي تلفظ المياه وتستنشق الحياة من جديد.
تسرد عليَّ تلك التفاصيلَ وهي تضحكُ، يوحي وجهها الهادئ بتناقض بين ملامحها البادية وصراعاتها داخلها، تضحك بقوة ثم تصمت حتى يبدو البكاء على وجهها...
- ابنتي، فلذة كبدي، رحماكَ يا رب.
أضرمَ صراخُ أمها وبكاؤها وبكاء أبيها في نفسها وَحشَة العالم المـَرْجوّ، وزيَّن في ناظريها الحياة، فهبطت بعد تشتتْ إرادتها، هبطت بتردد إلى جسدها تُلملمه دونما رجاء، هبطت تاركة تفاحة حريتها الشهيَّة بعد أن تلذذت منها بقضمة خاطفة.
استكانت على مضض من روحها، لكنها حينما سكنتْ ذلك الجسد رفض أن يُحقق لها ما عادتْ لأجله، فيبدو أنه قد أُنهِكَ من تزمتِ رأيها، فاستكان واستلان للموتِ دونما مقاومة كما أجبرته آنفًا.
حاولت استنهاضه مرة أخرى لكنه أسجى جوارحه استسلامًا، فطَفقتْ تحاول بكل قوتها علَّها تُوقظ سباته فلم يحرك ساكنًا...
توقفتْ عن السردِ، ثم أمسكتْ بنصف السيجارة الـمـُشتعل، وكان قد اقتربَ من نهايته - بعد أن لاح الذُّعرُ في عينيها وهي تتنقل بنظراتها بيني وبين أصابعها في توتر – تُحاول دمجه بنصف السيجارة الذي قد فصلته عنه منذ قليل فلم تستطع، حاولت مرةً أخرى بتركيز، فقطعتُ تركيزها:
- الحرية تُبطن في باطنها جَبر مهما ارتدتْ لنا من ثوبها البرَّاق.
فهمتْ ما أرمي إليه من إيماءة عيني ناحية يدها وهي تُحاول لملمة جزئي السيجارة، فنظرتْ إليَّ ببسمة تُخفي خلفها الكثير من الرفض والتمرُّد، كأنها تقول لي إنَّها ستُخرِجُ من باطن الجبر حُرية، ثم عادت بتركيزها إلى سيجارتها المقصومة، ثم لفَّتْ على الجزأين المنفصلين قطعة من الورق، فالتحما واندمجا في جسدٍ واحدٍ بعد أن انساب ريقها على تلك الورقة، فاحتضنتهما النَّارُ بزهوٍ ولمعٍ، فنظرتْ إليَّ نظرة ظَفرٍ تبعتها نظرةُ أسىً قائلة:
- رغم أننا نقتبس نور الحرِّية عُنوة ونتمرد لكننا نعودُ - وإن نجحنا - إلى تلك الجبرية بمحض إرادتنا أو... رغمًا عنا...
حاولت إحياء جسدها بكل قوتها مرة أخرى بكل عزمٍ وألم بعد أن وجدت نفسها سجينة داخله، تصرخ لأبيها وأمها فلم يسمعها أحد، حاولت بكل ما أوتيت من قوة وغضب للمرة الأخيرة، فلفظت المياه بقوة، وخرجت من جوفها بعد إعياءٍ شديد، كأنَّها قد عفت عنها بعد أن لقنتها درسًا، أنَّ الاستغناء عن الحياة سهلا، لكنَّ القرار لا رجعةَ فيه.
دفعت بقوة المياه وأسعلتْ، بعد أن استنشقت ترياق حياتها، ولفظ والداها الخوف واستنشقا نسيم الطمأنينة.
- أكانتْ تضحيةً منكِ لأجل إسعاد الآخرين؟
- ربما كانت تضحية نتيجة خوف مما سأقدم عليه، فالخلاص مهما كان رحيقه حُلوًا فهو لا يُستساغ بسهولة.
- والآن، أما زلتِ ترينَ أنَّ الخلاص هو حياتُكِ؟
وضعت السيجارة الـمُشتعلة أمامها من الجانب المـُشتعل، واستنشقت الدخان الخارج من مقدمتها، ثم حبسته داخل رئتيها ثم نفثته بتنهدٍ قائلة:
- شئنَا أم أبينَا فالحياة تمضغنا من كل جانب، تأسرنا بطُعمها الحُلو.
- وما طُعمِ الحياة الحُلو؟
نطقت بتقطع:
- الْـ.ـ.حُــرْ..رِ يَّـ.ـ.ـة.
على إثر كلمتها الأخيرة سمعنا زقزقة العصفورين، ولجا الغرفة يتخبطا، يبحثا عن القفص في ارتباك، لربما بحثًا عن الطعام أو الأمان، أو ربما قد تعودا على قفصهما ولم يرقهما بحر الحرية الواسع، وبعد لحظات كانا قد استقر بهما الحال في قفصهما كعادتهما بعد أن ساعدتْهما بنفسها على ذلك وهي تضحك بسخرية.
استفاقتْ على نفسها في وسط الأمواج وهي تضرب بكلتا يديها المياه بقوة وتَسعل بشدة تُخرج بقايا الماء من جوفها، استفاقت من حلم يقظتها للحرية المرجوة، بعد أن ذاقت طعمها في عقل تخيلها.
حملتها المياه فوقها حمل المستأسد منها، رمتْ بنظرها بعيدًا فوجدت أمها وأباها على الشاطئ يشجعانها بتلويح أيديهما مثل الآخرين على المـُضي قدمًا في السباحة، فنظرت للسماء عاليًا تُلوِّح لسحابة أملها في حريتها وهي تتبدد عُنوةً وتذهب بعيدًا.
أمضت بجسدها الضَّعيف على وهنٍ كي تخرج من يابستها التي كانت تُحلق فيها وتغوص في أمواج حياتها العاتية.








































