هَا قَد انتصَفَ الطريق، صَحراؤهُ مُوحِشَة قَاحِلة، جَرداءُ من كل حَيَاةٍ، ذابت همته مع انتصاف شمس مُبْتَغَاهُ، وتبخر طموحه كتبخر المياه من ترياق أمله.
يتذكر كلمات العراف:
- التخلص من ردائكَ الواهنِ مؤلم، لن تستطيع تحمل مآله! لكنه أصرَّ المـُضيّ.
العرافون كاذبون، لكنه عرَّاف نفسه، والمـُوهِمون كثيرون لكنه يُصَدِّقُ نفسه وإن كانت واهمة.!
تورمت قدما إصراره وهو ما زال في طريقه إلى خَلَاصِهِ، أدمتْ وتَقَانَى لونها، لكنه سيصل، هو حتمًا سيصل. يردد في نفسه.
في بداية كل رحلة تَعلُو الهمة، وتتواتر في صدرها، ثم تخبو قُبَيلَ الذروة، ليشتعل فتيل أمل ضعيفٍ بعد هدأة الإرادة واستكانة العزم، لا يراه إلا ذو هِمّة.
ربما القفول أيسر الطرق، لكنه لن يتحملَ بلاء ذاته، لن يتحملَ جبَرَوت شَهَواته التي سَتنفَرِد به، لن يتحمَّل بُـؤسَ رُوحه جرَّاء انتكاسته، لذا سيتحمل عناء رحلته حتى النهاية.
الموت في تلك اللحظات مَنالٌ بعيد يسخر منه عن قرب، يبرقُ بسناه كسراب يُغري ظمآنَ في الجرداء.
مضى في سبيله، لا يعبأ لقيظ الأماني، تُدميه أشواك الطريق، لكنَّ الوادي في الجهة الأخرى مفعم بالحياة، مكتنز بذاته الجديدة، ذاته التي قد مضى إليها، لكن المـُضيَّ مُضنٍ وقاسٍ، والتقدم للأمام مكابدة الصعاب، والرجوع للخلف سقوط في نارها.
صوت العراف ونبوءته تطرق مسامعه:
- الطريق شائك، والرحلة موحشة، لكن مروجها حين الوصول ستغنيك عن كل ذلك، ستولد من جديد، بعد أن يسقط جلدك البالي، الفاسد بدم نفسكَ الملوث، سينبت لك جلدٌ جديدٌ، ستُخلق نظيفًا من عهدكَ القديم، متخلِّصًا من تِيهكَ المعهود.
الكلمات سهلة يسيرة، ما ألينها على السمع، لكن للحقيقة أنيابًا تخمش بأظافرها طبقة وهمها الساحرة فتنجلي طبقتها الـمُـــرَّة وتقطر مُستحيلًا.
الشمس تستعر، والرمال تلتهب، وعقارب الرحلة تلدغه دونَ رحمة، صار سمها يتسرب في دمه فيجعله أكثر عصيانًا لرغبة نفسه في الرجوع رغم المكابدة والمعاناة، وعهده القديم يُقاوم بكل ما أوتي من ضعفٍ ويتمسَّكُ مُعلنًا عصيانَه عليه بالرفض والمقاومة في سبيل البقاء، لكنه يحاول بكل عزمه، ويُكمل رغمًا عن نفسه وعن عهده بإصرارٍ.
الآمال صارت حُلمًا نابيًا، لكن بقاياها داخله تُقاوم على وهن عطش تلك الروح للتطهُّر.
صوت العرَّاف يصدح في أرجاء ذاته المـُنهكة:
- لملم زمام عزمكَ جيدًا، فلا رجوع إلا لهلاكك، فالطريق ممتد المدى، لا رجوع إلا لموتك، ولا إقدام إلا لحياتك؛ فالصبر أو التصبر، لا يهولنَّكَ وعورة الطريق.
في الابتلاء الصبر لا يُراق مذاقه، لا يستساغ وإن كان حُلوًا.
يقتات قلبه من قديد صبره النَّافدْ، تتحمل روحه بؤس نفسه وسمّ خنجرها النافذ فيها حدَّ الضنّ، يُكمل طريقه مُتثاقِلًا بعينين متيقظتين رغم طَلِسِ( ) تنبؤه عن مآل رحلته.
ما عادت قدماه قادرتان على الإقدام، يجلد جسده بسوط أمانيه فيتساقط جلده عصيانًا وتتراجع نفسه انتكاسًا.
الأشواك تكثُر، والرمال تُسْتَحَد، والهواء يتلظَّى، ما عادَ في أمله فتيل قوة للمُضِي؛ إذًا فالرجوعُ خائِبًا أقل الخسائر، لكن الآن - وبعد انتصاف الطريق - لن يكون للخسائر قليل.
خرَّ يائسًا، كادت أمانيه أن تجثو مثله، حتى آتاه الحظ بفتيل واهن كوهن أمله، لكنه يكفي، أتاه بحلمه النابي، بحُلة ذاته الجديدة النقيَّة - التي مَضى إليها بكدٍّ - تقف تُلوح إليه عن قربٍ من واديه.
استجمعَ قوى مُراده واستقام، ما أجملَ النهوضَ بعد لدغ يأس، وما أمتعَ الوقوفَ بعد مرارة جَثوٍ.
مضى مُتثاقِلَ الخُطى يترنَّح ويتطاوح، سحابة بيضاء صارت تحميه من سهام يأسه، العرَّاف يملأ ملامحها البيضاء:
- سِرْ، فما بقيَ على مُناكَ إلا خطوات، سِرْ فذاتُكَ الجديدة هُناكَ.
كَابد مستحيله، بارز يأسه، وقاوم عهده القديم بكل ما أوتي من تحملٍ، حتى مالت كفة حلمه ناحية السطوع ببضع أمل.
ما إن وصل إلى مبتغاه حتى تساقط جلده القديم مُرغمًا، ونبت له جلد جديد، وسقطتْ عنه نفسه القديمة، وأنارت ذاته بنفسه الجديدة، وتبدَّل عهده القديم بعهدٍ جديد، وهُناكَ التقى نفسه النقية.
وقف لحظة يُحدث نفسه من ذاته الجديدة:
- كل الذوات تُخلق نقية، نحن من يُلوثها، كل الأنفس تُولد بيضاء إلا من شوائب أيدينا.
جلس يلتقط أنفاسه ليبدأ رحلة من جديد، رحلة البحث عن أيدي نقية تحمل ذاته إلى حيث النقاء، إلى الطيبة المرجوَّة، إلى المـُستحيل؛ وفي تلك اللحظة فارق عرافه.








































