الدنيا حق انتفاع لا مالك فيها برغم العقود الموثقة فالمالك يرحل ويخلفه في ملكه مالك آخر إلي حين وهكذا
هذه رؤية فلسفية عميقة جداً تلمس جوهر الوجود الإنساني ذلك أن فكرة "حق الانتفاع" بدلاً من "الملكية المطلقة" وهو مبدأ يعيد تعريف علاقتنا بكل ما يحيط بنا من العقارات والأموال وحتى الأجساد
فالعقود الموثقة هي أدوات قانونية لتنظيم "الدور" في الاستخدام لكنها لا تملك سلطة أمام الزمن. نحن نسكن البيوت التي سكنها غيرنا وسيسكنها غيرنا من بعدنا وكأن الأرض فندق كبير يتبادل فيه النزلاء الغرف والفرق الوحيد هو طول مدة الإقامة.
هذا المفهوم يتقاطع تماماً مع فكرة "الاستخلاف" فمن الناحية الروحية الإنسان ليس مالكاً أصيلاً بل هو "مؤتمن" على ما بين يديه. هذا الإدراك يقلل من حدة الصراع على الماديات فمن يدرك أنه مجرد "منتفع" مؤقت يتعامل مع الأشياء برفق أكبر وزهد أرقّ.
فإذا رحل "المالك" تذهب الأعيان (الأموال والعقارات) تذهب لغيره ويبقي الأثر فهو الشيء الوحيد الذي يمكن اعتباره "ملكية حقيقية" عابرة للزمن.
والأثر إن كان (علما أو قيمة أو ذكرى طيبة) هو ما يظل مرتبطاً باسم الشخص حتى بعد انتقال "الملكية" الرسمية ؛
ومن المفارقات والمثير للتأمل أننا نوثق العقود بمدد زمنية أو بعبارات مثل "ملكاً مؤبداً"، بينما "الأبد" في حياة الإنسان هو مجرد بضعة عقود من الزمن وهذه العقود هي في الحقيقة "بروتوكول تسليم وتسلم" بين الأجيال. والحقيقة الباقية أننا لا نملك الأرض إرثا من أجدادنا بل نستعيرها من أحفادنا. وهي حكمة قديمة ،
وفي الأدب والفلسفة لم تكن "الملكية" يوماً غاية، بل كانت دائماً مادة للتأمل في قصر عمر الإنسان وطول عمر الأرض وفي الفلسفة الصوفية (الزهد الذكي): يرى المتصوفة أن المال مال الله، والعبد مستخدم فيه. والجمال هنا ليس في الحرمان، بل في "تحرير النفس من قيد التملك". عندما تعتقد أنك تملك الشيء فأنت في الحقيقة "مملوك" له (تخاف عليه، تخدمه، تقلق لفقده). أما "حق الانتفاع" فيمنحك حرية الاستمتاع بالشيء دون أن يستعبدك.
وقديما قال المعري :
"خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد"
هذا البيت هو قمة "حق الانتفاع" فالأرض التي نمشي عليها ونظن أننا نملكها هي في الحقيقة مادة معاد تدويرها من أجساد من سبقونا فنحن لا نملك الأرض وإنما نحن نسير على تاريخنا.
وفي المدرسة الوجودية بعض المدارس الوجودية تري أن الشيء الوحيد الذي يملكه الإنسان حقاً هو "لحظته الراهنة". العقود والوثائق هي محاولات بشرية يائسة لطمأنة النفس ضد "سيولة الزمن" وعدم استقراره والخوف من المجهول ,
لذا يجب أن يتحول "حق الانتفاع" إلى سلوك يومي يغير جودة حياتنا بشكل جذري وسيؤدي ذلك إلي التحرر من القلق المادي عندما تدرك أنك "منتفع" ولست "مالكاً أبدياً"وسيخف شعورك بالخسارة والضياع أو التلف أو حتى انتقال الملكية لغيرك يصبح جزءاً من "قانون اللعبة"، وليس كارثة شخصية.
وذلك سيؤدي بالمستخلف أو "المنتفع" إلي أن يحافظ على العين التي ينتفع بها لكي يسلمها لمن بعده بحالة جيدة. هذا بالتأكيد سيغير سلوكنا تجاه البيئة كأصول، وحتى الأمانات. أنت لا تملك السيارة أو البيت لتدمره بل لتعيش فيه وتتركه أثراً طيباً لمن سيخلفك .
كما أن ذلك ربما يخفف من الصراعات والنزاعات القانونية والحروب التي تقوم على وهم "الملكية المطلقة". لو آمن الخصوم بمبدأ "تبادل الأدوار" الذي ذكرتَه لكان التفاوض على "منفعة مشتركة" أسهل بكثير من القتال على "ملكية وهمية". وأيضا التركيز على "القيمة" لا "الحيازة" بدلاً من جمع الأصول التي ستخلفها وراءك يصبح التركيز على "ماذا فعلت بهذه الأصول؟ هل حققت منفعة لك وللآخرين؟ المنفعة هي الثمرة الحقيقية التي تذوقها، أما العقد فهو مجرد ورقة في خزانة.
وهكذا يرحل "المالك ويخلفه مالك آخر". نحن جميعاً في "رحلة عبور"، وأذكى العابرين هو من استمتع بالرحلة دون أن يثقل كاهله بمحاولة "امتلاك" الحافلة التي تنقله.
الملكية "وهم منظّم" لا بد منه والحقيقة أن العقود والتوثيقات التي ذكرتَها هي "اتفاقيات اجتماعية" لضمان عدم الفوضى. نحن نخترع مفهوم الملكية لنعرف من المسؤول عن إصلاح هذا البيت أو من له الحق في زراعة هذه الأرض الآن. لكن "الحقيقة الوجودية" تظل كما قلتَ: نحن مستأجرون بمدد غير معلومة.








































