"كل شيء حدث من قبل، وسيحدث ثانية"
(أوسيب ماندلشتام)
كنتُ أشعر أنني ممزق حتى الانهيار. كل شيء من حولي وهمٌ، وأنا لا أجد نفسي بعد كل هذا العمر والتعب والشقاء. ظننتُ أنني أوشكت على تحقيق كل أحلامي كنت أنتِ حلمي الوحيد إذا فرحتِ شعرت بالسعادة حتى برغم ألمي ومعاناتي في العمل...، فقط من أجل عيناكِ كنتُ أركّز على الجانب المادي وحده، أهملتُ الجانب الروحي حتى صرتُ كمومياء مصلوبة على رأسها، محنطة بعد فوات الأوان. خسرتُ الأيام، وليتها تعود… لكن ما نفع التمني في حضرة الندم؟.
******
في زقاق حيِّنا، كان يقف متكئًا على الحائط، ساقاه متباعدتان، وذراعاه مسترخيتان. إحدى عينيه نصف مغلقة، وكأنه لم يعد يجد سببًا لفتحها بالكامل. يحمل حقيبة مهترئة يجمع فيها بقايا البلاستيك والزجاجات الفارغة، وكأنه يبحث عن شيء فقده منذ زمن طويل… ربما يبحث عن ذاته.
انتبهتُ أنه لا يحضر يوم السبت. لم أعرف السبب. لكن فتاة صغيرة، ذات شعر أسود طويل وعينين واسعتين، كانت تراقبه كل يوم من نافذتها في الطابق الثاني من العمارة. كانت تسأل نفسها: ما سر هذا الرجل الغريب؟ لم تكن تعلم أنه كان يومًا ما خطيب والدتها.
منذ سنوات كان شابًا طموحًا، وقع في حب فتاة جميلة تحلم بأن تصبح طبيبة. آمن بها وأحبها بجنون، وعندما أُتيحت لها فرصة السفر والدراسة، شجّعها وأقسم أن ينتظرها. كان يكتب لها ويعد الأيام حتى تعود، يرسم في مخيلته بيتًا يجمعهما وأطفالًا يحملون ملامحهما معًا.
لكنها عادت… مع زوجها وابنتيها.
ذلك اليوم تحطمت عينه الأخرى. الخيانة مزقت روحه أكثر مما يستطيع الزمن إصلاحه. خرج من أحلامه الوردية التي رسمها معها، عابس الوجه، يلتقط بقايا البلاستيك كما يلتقط بقايا قلبه المكسور، باحثًا عن شيء لم يعد موجودًا.
وفي كل صباح، كانت ابنتها الصغرى تراقبه من النافذة دون أن تعلم أن الرجل الذي تراه كل يوم كان يحلم ذات يوم بأن يكون والدها.








































