كان طفلا صغيرا يتلمس خطواته بين أرفف المحل الكبير،
توقفت قدماه عند حقيبة مهملة، جلدها بارد، وصمتها يهمس بأسرار لم يعرفها بعد.
لم يفتحها، لكنه احتفظ بها، وصدقه كان شعاعا يخترق الظلال ليضيء دربه،
والمحبة التي غمر بها أفعاله جعلت القلوب تثق به قبل أن يعرفوه.
كبر الطفل، وترقى في المناصب
حتى صار المسؤول الأول عن المحل،
لكن الغموض اليومي حول صاحب الحقيبة ظل يثقل قلبه،
مع كل زبون يمر، كان يسأل نفسه:
"هل هو صاحبها؟ هل سأعرف اليوم؟"
وفي كل مساء، حين يسدل الليل ستائره، يجلس وحيدا مع الحقيبة،
يلمس جلدها البارد، يسمع صمتها العميق،
ويشعر أن كل يوم يمر بلا معرفة،
ويختبر صبره وقوة التزامه،
كأنها تختبره قبل أن يعرف هو الغاية منها.
وذات صباح مشمس، حين تسللت خيوط الشمس بين الزجاج،
ظهر شيخ ستيني، خطواته متثاقلة وثقله في عينيه،
يحمل على ظهره حرقة الانتظار ومرارة السنوات الضائعة،
بحثا عن حقيبته المفقودة،
لم تحمل مالا أو ذهبا، بل وثائق تثبت براءته من تهمة قديمة بالخيانة.
اقترب الشاب، وأعاد الحقيبة، فانسكبت دموع الشكر على وجنتي الشيخ،
تحول الحزن إلى نور دافئ، وانفتحت الأقدار التي طالما تجمعت في الظل.
ابتسم الشاب بصمت، وعرف أن كل سنوات الصبر والأمانة،
وكل يوم قضاه مع الحقيبة، لم يكن عبثا،
بل كان الطريق إلى النور.
الحقيبة لم تكن مجرد جلد وورق،
بل شهادة على القيم التي تصنع المصائر،
تستعيد الحقوق الضائعة، تمنح النفوس السلام،
وتحفر في القلب درسا خالدا:
الصدق، مهما بدا صغيرا،
يمكن أن يضيء أعظم الطرق
بقلمي: محمد خوجة
حفرت الحروف في صمت،
وحملت القيم على جناحي الصدق،
لتصل إلى القلوب قبل السطور.
ويرسم الأمل على وجوه الذين فقدوه.








































