كانت السماء تمطر رذاذا خفيفا حين احتميا معا تحت مظلة محطة الباص
بدأت القصة بابتسامة اعتذار عن ضيق المكان والحقائب
ثم
انفرط عقد الحوار
المطر لا يغسل الشوارع فقط
بل يغسل أرواحنا من داخلها
قالتها
وهى تراقب قطرات الماء التقط هو طرف الخيط قائلا
بل هو الفاصل الذي يمنحنا فرصة للتوقف والتأمل
على مدار مسافة طريق لم يكن تعارفهما تقليديا لم يسألا عن الوظائف أو الألقاب
بل تبادلا الآراء في فلسفة السعادة
وأحدث ما قرآه
والأغانى القديمة
وسر انجذابهما للمدن القديمة
كان حوارا راقيا تنساب فيه الكلمات كالنهر
يختلفان في وجهات النظر حول الفن المعاصر باحترام
ويتفقان على أن
الصدفة
هي أجمل المواعيد غير المرتبة
شعر كلاهما أن هذه الدقائق اختصرت سنوات من البحث عن شبيه الروح
وحين اقترب الباص صمت الكلام وبقى الأثر
مد يده بهدوء وقال: الحوار معك كان رحلة لم أكن مستعدا لانتهائها
أجابت بابتسامة واثقة: الأشياء الجميلة لا تنتهى بل تتجدد
صعدت هى إلى الحافلة وجلس هو فى مقعده المعتاد يراقب طيفها من خلف الزجاج المبلل تحرك الباص ببطء وفى تلك اللحظة
لم يلوح أى منهما للآخر بل اكتفيا بنظرة طويلة تختزل كل ما قيل وما لم يقل
مرت الأيام
وبقى طيف ذلك الحوار يزورهما فى زحام الحياة
هى تبتسم كلما رأت المطر
متذكرة حديثه
وهو يشتري الكتب التي اقترحتها
باحثا بين سطورها عن نبرة صوتها
لم يتصلا
ولم يرسل أحدهما للآخر تلك الرسالة المنتظرة ليس خوفا
بل احتراما لتلك اللحظة التي كانت أكمل من أن تفسدها تفاصيل الواقع اليومي
أدركا مع الوقت أن بعض اللقاءات تخلق لتبقى قصيدة لا تكتمل
وأن أجمل ما فى وعد اللقاء هو الاحتمال لا التحقق
صار كل منهما يسير في دنياه بروح أخف ممتنا لتلك الصدفة التى أثبتت أن هناك دائما غريبا يفهمك دون عناء
انتهت القصة هناك
تحت مظلة المحطة وبقيت قلوبهما معلقة في مسافة الطريق
حيث يظل اللقاء المؤجل هو الموعد الوحيد الذي لا يشيخ أبدا








































