بين خيالي والواقع غلالة، أناضل للاحتفاظ بها ماثلة أمامي؛ فلا أضِلّ أو أُضَلّ.
أستسلم أحيانا للتنكر لها؛ فأحتسي قدحا من الحقيقة المُحَلّاة بالحلم، وأقاسمه شريكا، أترك لذائقته حرية الاختيار، بين أن ينتصر لسيادة أحدهما على الآخر، فيتحمل في سبيل ذلك مشقة التفنيد، وجهد الترشيح، وصبر الترسيب، وإرادة التذوق والمعرفة-فلن يعرف من لم يذق- أو يكتفي بسلاسة الاستمتاع بمزجهما، دارئا عن نفسه كلفة البذل، وعناء السعي، دون ضمانة للحصاد أو الشبع، ودون درع يقي من الوجع.
**************************
أخطو على مهل بفستان مليء بالثنيات والكَسَرات، أسمع وقع الطبول وكأنها تدق في قلبي. جمهور يملأ القاعة يرفع لافتات مكُتوب عليها (اعلنوا الحب).
ومضت في مخيلتي صورة لي -أشعر بها، أعيشها وكأنها الآن- أقف فيها وسط الآلاف في ميدان التحرير، يمسكون لافتات تطالب بالعدالة والكرامة، أرفع معهم لوحة مكتوب عليها (أطالب بمجلس رئاسي مدني)، كتبتُها بخط كبير، واضح، رغم علمي المسبق، أن أحدا لن يْصورها أو يلتفت إليها، لكن شيئا بداخلي كان يهمس: (اعلنوا الحب).
لا عُمْر كاس المر يسقينا
ولا يعرف الحزن مطرحنا ولا يجينا
وغير شموع الفرح ماتشوف ليالينا
نفسك تشوف الدنيا حلوة والبيبان متفتحة
جرب تحب .. جرب تحب
هي القلوب تقدر تعيش من غير دفا
جرب تحب.. جرب تحب
جرب تحب دنيتك أهلك جيرانك
مش عشاني أو عشان الناس عشانك
قد يرى قاطعي تذاكر؛ أتوا لرؤية عرض مُسلي -يصفقون معه- أني مدعية، حين أُُقِرُّ أن الحب هو ضالتي، وَوقُودي، وأنه لا اختيار لدي إلا أن أعلنه، يتصورون ذلك لأني لم أعلنه حسب طريقتهم وتوقعاتهم.
أقف في مهب الإيقاع والنغم، أموج رغما عني مع عطر ياسمين، يفوح فيرتشف حواسي، وأتشربه بدوري رويدا رويدا.
كلما أردت التحرك للغناء أو الرقص ..أتعثر.. أرتعش.. أتجمد..ربما كان رهاب المواجهة مع عيون تخترقني، أو أنها أجواء ال (فلامنكو) هي ما توترني.
يلفحني بطاقته وزهو ردائه الغجري، الناري، يشد الوثاق حول كياني، يربكني، وأحتار بين الاستكانة للِجام خَصْري، أو أن أطلق ساقيّ مع النغم؛ أتركهما للرقص ثورةً وفرحًا، غضبًا وحبًا.. وأسلم الراية لكل دبّة لتؤكد: (اعلنوا الحب).
مين اللي قال الحب وردة
أو قلوب وسهم عدى
الحب حالة واستحالة
نعيش في دنيا ناقصها حب
لو لقيت الدنيا صعبة
خالية من أي استجابة
حبها واضحك هتضحك
حبها وبلاش كآبه
قول بحبَك قول بحبِك
قولها مالك؟
قولها أول ماتلاقيها جت في بالك
ده احنا بنعيش الحياة دي مرة واحدة ..
يبقى ليه نعيشها باردة
مين اللي قال الحب وردة
أو قلوب وسهم عدى
الحب حالة واستحالة
نعيش في دنيا ناقصها حب
يصعب عليّ تصور أن يكون الحب حالة؛ الحب لا يكون حبا، ما لم يكن هو الحال. إن لم يكن هو الهواء الذي تستمد منه كل المعاني حياتها.
الحب هو مرآة الروح، فيها فقط، أرى قراري وسمائي، أدرك ثقوبي وحصوني.
مرآة الحب شرهة للصور وللأماكن وللشخوص، تلتهمهم بِنَهَمٍ، فلا أعود قادرة على رؤيتهم إلا من خلاله...ليصبح الكل واحد.. والواحد -دون سواه- هو الكل!
من مرآته أيضا تنعكس شمس تزيغني؛ تشعرني بالدوار، فأنسى مثلا النزول في محطتي المعهودة، وأسهو عن ما يتبقى لي من نقود، وأبتسم بلا سبب واضح، لتعلن ابتسامتي -بكل ما فيها من تيه- تحديها لشريط أخبار ثابت؛ محتجز بين خنادق الظلم والفقد والخوف، في هذه الابتسامة وجهرها، مُظاهرة تهتف: (اعلنوا الحب).
حِب متخبيش حِب وعيش على الإحساس
ليه هتكره ليه
ده قلبك فيه مكان للحب
قولي ليه مكسوف
حب وشوف قلوب الناس
لسه فينا مكان لحب كمان هيملى القلب
ده احنا بنعيش الحياة دي مرة واحدة
يبقى ليه نعيشها باردة
مين اللى قال الحب وردة
أو قلوب وسهم عدى
شمس الحب بقدر ما تعدني بالدفء، تتوعد عينيّ باحتمالات العَمى، إن فكرت في النظر إليها مباشرة.
لا أخاف فقدان البصر، أو الاحتراق، لكن عيني طامعة في أن تنهل من النور، وهي مُفتٌحة، يقظة، رغم سطوع موجه، أماطل خلف العدسات الداكنة؛ ريثما أقوُى نظري وأمتلك جرأة الاقتراب.
في شمس الحب... تنصهر المسلمات، فتعيد تشكيل ذاتها؛ فيها تمتزج الأضداد، ويزيد أيضا بروز الأقطاب.
تعيد فيها توصيف المسافة، حين تشعر بالتوحد مع من يبتعد عنك آلاف الأميال، وتراجع معها تعريف الطيف، حين تغدو صورته أكثر حضورا من كل موجودات المكان، ويعجز الزمن عن تأويل ما يسافر عبره، من لقاءات ّالأرواح، فينجرف فيه الماضي، وسط شلال الحاضر، ليُصَب في لحظة تتمرد على الوقت، ولا ترضى بأقل من الخلود.
في شمس الحب ستفهم كذلك معنى الغيب؛ حين تَشِفّ من فضائه الرؤية، يتجلى فيها الباطن كتجلي الظاهر صادحا: (اعلنوا الحب).
ده الحب حالة واستحالة
نعيش فى دنيا ناقصها حب
جرب تحب
أكثر ما يحدد نجاح التجربة، ليس نتيجتها، بل فهمها. كتابة تفاصيلها، ومعايشتها، الحب يكمن فيها؛ في تلك التفاصيل العظيمة رغم صغرها، كبيت شعر مُسح عدة مرات، قبل أن يبوح بشطريه موزونا دون كسر، أو كجملة تقف على السطر جامدة، تنتظر دون كلل جرأة ضغطة الإرسال، أو كالبحث في (جوجل) مثلا عن معاني الكلمات، والرموز، وألوان القلوب وما تشير إليه. في التفاصل لوحة (بازل ) حين تكتمل.. يكون المكتوب دوما هو: (اعلنوا الحب).
مين اللى قال الحب وردة
أو قلوب وسهم عدى
ده الحب حالة واستحالة
نعيش فى دنيا ناقصها حب
كثيرا ما يُرمز للحب بالقلوب الحمراء، ربما لأن الأحمر هو لون الحرارة، والدم، وهو أيضا لون الورود الدمشقية.
لكني أعتقد أن الحب لو اختار لونا يعبر عنه، فسيرتدي الأسْوَد.
الأسْوَد هو رمز الغموض والثقة، هو شكوى الخوف وتباهي القوة، الأسْوَد هو منتصف الليل، وتحيُّن الفجر، الأسْوَد هو المواساة في الحداد، وهو الدفء في البرد، الأسود هو كسوة الطمي، فيه رهبة الأفول وقرار البعث.
الأسْوَد يجذب كل الألوان دون أن يفرط في أي منها. كذلك الحب، لن يُدرج ضمن نسيجه إلا من يقوى على تجرع كل موجة -بقدرها- حتى آخرها، دون تجزئة أو اختزال أو تخلي.
لن يعرف الحب، من يقلب بين ثمره لينتقي منه. لن يتنشق العبير من يتق قطع الشوك، وسيظل غير ناضج من يخشى الذبول، ولن يعرف الحياة من يتعالى على البراعم.
في استنكار الظلم حب.. وفي مواجهته إعلان للحب. في غرس الزهور..حب، وفي إهدائها... إعلان للحب. في كتابة النوتة الموسيقية حب.. وفي عزفها إعلان للحب.
في دعاء صادق في السجود حب.. وفي تحققه إعلان للحب. في الرقصة الجماعية حب.. وفي اللمسة الثنائية إعلان للحب.
في نظم القصيدة..حب.. وفي إلقائها إعلان للحب.
والصبر والسعي والركض والشوق والتسليم والإيمان .. بين كل حب وإعلانه.. هو الحب.
تمت كتابته: 2/11/2020
رابط الأغنية: