خارج الكفتين
على منصته العالية، استوى القاضي بجبته المنسوجة من خرائط العالم. وضع في كفة الميزان اليمنى "نصاً" أنيقاً عن حقوق الإنسان، وفي اليسرى "سبائك" مغسولة بالنفط. مال الميزان برعونة حتى ارتطم المعدن بالرخام؛ تطايرة حروف النص وتناثرت كرماد بارد في القاعة. خارج النافذة، طفل يلم بقايا جسده تحت أنقاض بيت هدمته قذيفة ممهورة بختم "الأمن". نادى القاضيَ. التفت إليه بوقار بارد. شدّ على عينيه عِصابة سميكة، ثم هوى بمطرقته فوق جثة العدالة صائحاً: "بيعت.. لمن يدفع دماً أكثر!"
خَدشُ السَّبيكة
بِمِبردِ الصمت، يَصقُلُ الناسكُ مِرايا الروح. دنا "الذَّهب": عباءةٌ من تِبر، ومفتاحٌ يقطرُ طمأنينةً لزجة: — "بِعني مَداك، ولَكَ سقفٌ لا تشقُّهُ صواعقُ الحقيقة." لم يلتفت. نَفخَ في جمرِ الرماد؛ انبثقَ من قلبِ الانطفاء طائرٌ. للرؤيا قال: "انعتقي". زأرَ الفضاء. غاصَ الجناحُ في لُجّةِ الضوءِ حتى صارَ "نقطةً" في عينِ الشمس. سقطت رذّاذةُ نورٍ على جبهةِ الطاعة. واجماً، انهمك "المعدنُ" في مَسحِ بَصمةِ الضياء عن مفتاحه؛ خشيةَ أن يَفسدَ بريقُ القيد. حينها، أدركَ الصدأُ: الطائرُ لم يعرج طلباً للسماء.. ترفُّعٌ عن "قَفصٍ ذهبيّ".. يُسمّيهِ العبيدُ وطناً.
تشفير
انطفأت شاشاتُ الرادار. في غرفته الباردة، وقّع "القائد" تقريرَ (العملية الناجحة): "تمّ التحييد.. انتهى الضجيج". خلع رتبتهُ المذهّبة، أودعها الدّرج، ومضى يطاردُ نوماً هادئاً؛ غداً ينتظرهُ منصبٌ أرفع. على الجانب الآخر، حيث لم يهدأ الغبارُ بعد، كان "الصامد" قد توقف عن التنفس، وقبضتهُ تُحكمُ الإغلاق على حفنةِ تراب. لم يترك خلفه تقريراً؛ ترك فراغاً بحجم جبل. بعد عام: بِيعَ كرسيُّ القائد في مزادِ التقاعد، وابتلع الأرشيفُ اسمَه. أما "القتيل"، فقد صار تميمةً على صدور الأطفال، وكلما مرّت ريحٌ بساحةِ المعركة، انحنى الشجرُ لظلّه الذي رفض الرحيل.
رياءُ الرُّخام
خلفَ زجاجٍ مُضادٍ للأنين، انهمكَ الموظفُ بتلميعِ وسامٍ وطنيّ، بينما اختنقت ورقةُ "طلبِ علاجٍ" تحتَ ثقّالةِ المكتب. في الممرِّ البارد، سعلَ الشاعرُ سعلتَهُ الأخيرة؛ جفَّ الضوءُ في رئتِه، وانكسرَ الشراع. في المساء، وبذاتِ البلادةِ الأنيقة، وقّعَ الموظفُ فاتورةَ "تأبينٍ أسطوريّ"؛ كان ثمنُ البخورِ فيها يكفي لمنحِ الراحلِ عُمراً.. لو أنّهُ "استحقَّ" ثمنَ الدواء!
تَـنُّـور
توسَّدَ الرغيفُ عَرْشَهُ الرمليّ؛ تُحاصرهُ أنيابُ النارِ من كلِّ جانب. تحسَّستِ العجوزُ نبضَ الأرضِ بكفٍّ تشبهُ خريطةَ تيه. قرأتْ لغةَ الرمادِ. انتظرت. ببطءٍ، تنفَّسَ العجينُ. استدارَ. انتفخَ كصدرِ غريقٍ استعادَ الحياة. سحبتْهُ من قلبِ الحريق. كان بياضُهُ يغسلُ سوادَ المكان. شقَّتْهُ بيقينِ الجوع. سالَ منهُ دمٌ قانٍ.. نضجَ الجنينُ الذي طمرتْهُ تحت الرملِ قبل الغارةِ بلحظات.
تَصحِيح
ثبَّتَ القطبُ خريطةَ الوطنِ برصاصة. تمتمَ الدبلوماسيُّ بوجل: والسيادة؟ انحنى "القانونُ الدوليُّ" يلمعُ حذاءَ الجنرالِ، همسَ مطأطئاً: "السيادةُ يا بني.. خطأٌ إملائيٌّ تُصححهُ البنادق!" انفضَّت الطاولةُ.. تضخّمت الرصاصةُ.. استحالتِ الأرضُ ثقباً.








































