على حائط البيت الطيني المهترئ في أحد أزقة أوباري، كانت عقارب ساعة الرمل تقترب من منتصف النهار. الشمس تسلِّط سياطها على جبين "العمّ محمود"، الذي لم يتحرك من كرسيه البلاستيكي منذ ساعة. يداه تحيطان بماسورة المياه النحاسية التي لا تجود بشيء. كانت الرمال الساخنة قد بلعت حتى لون الإسفلت.
محمود ينتظر، كعادة أهل الحي، صوت جرس شاحنة توزيع المياه التي يديرها "أبو حذيفة"، الذي عاد بعد سنوات قضاها في "جهاد" لم يُعدْهُ إلا بذاكرة مثقوبة ولحية كثيفة. زوجة محمود، "فاطمة"، تقف عند العتبة، ترتشف الهواء الساخن، تتأمل صفّ الأواني الفارغة: خمسة براميل، وجرّتان، ودلو صدئ.
وصلت الشاحنة. هدر المُحرِّك كان أشبه بصيحة نذير. اصطفّ الجيران صفًا متعرجًا. دفع محمود ماله – أوراق نقدية مُلصَقة بشريط لاصق – لـ "أبي حذيفة". المبلغ كان أكثر بثلاثة أضعاف مما كان قبل شهرين، لكنه ضرورة.
"البركة في الدولة يا عمّي"، قال أبو حذيفة بخفوت، ويده تمتد لجيب محمود قبل أن يصله. "ثمن الديزل ارتفع، وأسعار الصمامات نار".
فاطمة تهمس لنفسها: الخزّان ملآن على بعد كيلومتر واحد فقط، لكن يده لا تصل إليه.
في الأثناء، مرَّ موكب سيارات فارهة مظللة، تطلق أبواقها بصخب يكسر صمت الجوع والعطش. في المقعد الأمامي لإحدى السيارات، شوهد الشيخ "مصطفى"، الواعظ الذي يطلُّ يوميًا من شاشات التلفاز يبثُّ في الناس خُطباً عن صبر أيوب والتوكل على الرّزّاق. كان يحمل في يده هاتفًا ذكيًا باهظ الثمن، ويرتدي عمامة بيضاء ناصعة لا تعرف غبار الطريق.
تشنّج وجه محمود، لكنّه أدار رأسه نحو ماسورة المياه. "ابني الأكبر، يا فاطمة، في طرابلس. وعد بالعودة عندما يستقيم العمود". أجابته فاطمة بصوت بالكاد يُسمع: "العمود يا محمود، بات أعوج منذ زمن".
جاء دور محمود لملء برميله الأخير. التفت إليه أبو حذيفة بنظرة باردة. "أرادوا مني أن أؤمِّن الحاوية التي تحمل صناديق الاقتراع الأسبوع الماضي"، همس أبو حذيفة بتهديد، "لكني رفضت. هذا باطل".
شعر محمود بمرارة تذيب ريقه. كانت يده ترتجف وهو يمسك بالخرطوم. فجأة، سمع صوت فاطمة الصارخ من العتبة: "المياه انقطعت يا محمود! لم يمتلئ إلا الثلث!"
كان الخزان في الشاحنة قد فرغ. نظر محمود إلى أبي حذيفة، الذي كان يلوّح بيده لجاره التالي، بينما يشير إلى الساعة: "انتهى وقتي لهذا الحي".
توجّه محمود ببطء نحو المنزل، حاملًا البرميل الممتلئ جزئيًا. مرّ بجانب جاره، الذي كان يمسك بيد ابنه الصغير، وينظر إلى محمود بعينين ميتتين. دخل محمود البيت، ووضع البرميل بجوار الأواني الفارغة. جلس على الكرسي البلاستيكي، وأغمض عينيه. فاطمة، التي كانت تنظر إلى حائط المطبخ حيث علَّق محمود شهادة تكريمه لخدمته العسكرية الطويلة، التفتت إليه.
"محمود، ماذا سنفعل الآن؟ ليس لدينا ماء حتى لنغسل طبقًا واحدًا".
رفع محمود يده، مشيراً إلى خزانة قديمة مغلقة في ركن الغرفة. "افتحيها، يا فاطمة. لم يعد لنا إلا هو".
فتحت فاطمة الخزانة على مضض. لم تجد الحبوب ولا الزيت. وجدت فقط، مكدَّسة بأناقة ومُغطاة بقطعة قماش مهترئة، حفنة كبيرة من صناديق خشبية صغيرة مغلقة، لا يزيد حجم الواحد عن حجم قبضة اليد.
نظرت فاطمة بتعجب إلى محمود، الذي قال بصوت خافت، وقد انهارت كل قوة فيه: "إنها صناديق الاقتراع التي أُعلنت نتائجها يوم أمس، وقد فاز بها الشيخ مصطفى بأغلبية ساحقة".
رفع محمود يده، وأشار نحو الحاوية الفارغة في الركن، التي كانت تُستخدم عادة لتخزين الحبوب. "لا تقلقي بشأن الماء، يا فاطمة. لقد استبدلتُ كل حصتنا من الخزّان الأسبوع الماضي في صفقة مع أبي حذيفة. استبدلتُها بـ 'الوهم'".
كانت العلبة الخشبية الوحيدة الفارغة التي تظهر في الصندوق تحمل ملصقًا: "خزّان الوحدة الوطنية".








































