في وهن الضياء الرقراق المتسرب من كوة نافذة بالية، ارتدت بشرتها مسحة نضارة ذابلة، كبتلة ياسمين ذوت لقيظ الصحراء تحتفظ بذكرى أريج يتلاشى. عيناها، لجتان تستبطنان أسرارا أعتى، كثقب أسود يمزق الزمن. قضى ليالي يستجلي جسدها المتلوّي، يرتوي من سراب أنوثتها العتيقة، يستنشق عبق الزوال.
في ليلة اكتمال البدر الفضي الشاحب، بينما كان يتتبع وشماً باهتاً يتلوى على كتفها العاري، كوهن عتق، شعر تحت أنامله بصلابة غريبة، كخشب صندل عتيق يكسوه حرير رميم بال. استبد به ذهول صامت، لكن سحر الوهم الآسر كان أقوى من أن يثنيه عن التوغل في متاهة جمالها الزائف.
ثم، بينما كان يرتشف قبلة من العنق الذي توهمه معبراً إلى دفء روحها المتوارية، شعر بشيء يتفتت تحت شفاهه، كفتات طين يابس يتهاوى. ارتجف، والذهول يخدر حواسه، ليحدق في الوجه الذي أسكره الوهم. شعر بالملامح أمامه تصلبت وتجمدت، قناع رقيق يسقط ويكشف عن قناع الزمن العاتي.
اللجتان ابتلعتا النور الشاحب كتجويفين فارغين. والبشرة التي لامسها للتو استحالت قشرة متصلبة، متصدعة كأرض قاحلة لفظت آخر ندى منذ دهر. الوشم الذي تتبعه، نقوش باهتة على كفن أصفر مهترئ، حكاية انقطعت. الرائحة التي أسكرت حواسه، عبق القدم والفناء.
تراجع بفزع شل أوصاله، وقلبه يخفق بعنف كطبلة حرب تنذر بفناء. غشاه الوهم. كانت كل لمسة، كل قبلة، تدنيساً لرقاد مهيب.
اندفع خارج الغرفة كمن أفلت من كابوس، تاركاً خلفه وهم حب تلاشى أمام حقيقة تجمد الدم في عروقه الباردة. وبينما كان يعدو في الظلام، كانت أصداء همساتها العتيقة تطارده، أنين صمت مطبق يتردد صداه عبر دهور مندثرة، يلعن لحظة إيقاظ رقدها العتيق.








































