الظلام تجاوز مجرد غياب للنور؛ لُجّة سَرمدية ابتلعت شارع الزفت كمُحارة صمّاء. وحدها سارية الإنارة العجوز، التي كانت تُهدهدها رياح الصدأ العتيدة، قاومت بمأساة، ترمي بوَهْجٍ بُرتقالي مُحتضِر يلفظ أنفاسه الأخيرة على الرصيف.
شريانٌ مُتدفق من سائل أرجواني هو ما أسَر بصر نزار قبل الجسد المرمي؛ إذ تكشف على ثغر الرصيف البارد. ارتسم نهرٌ خفيضٌ من طلاء الأظافر، نزيفٌ لونيٌّ طازج، انساب كعزف بطيء لحِداد وشيك. لقد استحال مجرد تنقيط عشوائي؛ هناك أثر سَحبٍ محموم، يبتعد عن سارية الهلاك صوب شجرة التين المُعمّرة، الشاهدة الصامتة.
تتبع نزار ذلك الشريان القرمزي، وعند ذروته، تجلّت الفاجعة. امرأة، في حُلّة سهرة مشرومة الأطراف، جسدها مُلقى بوَضْعية تعلن عن عراك الأنفاس الأخيرة. يدها كانت مفتاح الصندوق الأسود. كانت قابضة بقبضة موتٍ مُستميتة، عاقدة العزم على شيء واحد: مِفتاحٌ فضيٌّ مُتهالك لصندوق بريد.
"البرهان..." تمتم سالم وهو يُطأطئ هامته فوق الجثة.
استوقَف نزار التفصيل الأدهى: إصبعان من كفّ الميتة كانتا مُوشومتَين حديثًا، مِدادٌ أسود لا يزال يختال بلمعانه. كان وشمًا غير تشكيلي؛ مجرد رقانَة غريبة من الخطوط والأرقام المُكدّسة بعبث.
بالقرب من الشجرة، حيث وُئِدت الروح، اتضحت حِيَل المُجرم: بصمة جلد تمساح نافرة، وخُصلة شَعرٍ بيضاء ملفوفة بإتقان، وشَظيةٌ ضئيلة من زجاج بنفسجي. أدلة مُهندَسة، مُتقنة الصنع، وزائفة بالمطلق.
ليلى، الضحية، كانت سكرتيرة عقارات. أظهر تحقيق نزار أن صندوق بريدها كان خاوياً، بينما المديرَة كشفت عن رسالة ضرائب مُرتجعة، مؤكدة أن الصندوق كان مُفعماً للتو.
أدرك نزار الفِخّ المحبوك: المفتاح صُنع لا لشرع الأقفال، إنما ليكون سِتراً للإغلاق والإبهام.
أمر بفتح المِفتاح المُتهالك. كان تابوتاً مُجوّفاً. في داخله، وُرَيقة ملفوفة: "هو يختبئ في الأرقام."
إنه يتجاوز كونه مجرد حبر. كان الوشم ذاته المُستنسخ من طابع مصلحة الضرائب الذي أعاد الرسالة.
لقد قبضت ليلى على التابوت المجوّف، ورفضت الإفلات من أسْرِه. القبضة لم تكن مُوجّهة لإثبات شيء لنا؛ كانت إصراراً على حماية السر عندما سمعت وطأ خطواته. النية لم تكن القبض عليه بوصفه وعاءً للدليل، حتى لو كان ثمن ذلك اغتيالها.
"من يختبئ في الأرقام؟" سأل سالم، بصوت يُهشّم قِشرة الصمت.
نظر نزار إلى القبضة الميتة. ما كان القاتلُ هو الرجل الأنيق الذي تترقبه العيون. ليلى، وحدها، كانت صاحبة النَذِير والتهديد.
الرسالة وُجّهت إليه تحديداً، لا إلينا. كانت سهمًا أخيرًا موجّهًا إليه: "أنت مختبئ في الأرقام، والمفتاح معي."
لقد قُتلت لأنها أعلنت القوة كصاعقة، ورفضت الركون إلى استسلام الضعف.








































