في ردهة مبنى البلدية القديم. غبار راقص. خيوط الشمس تتلبَّد ثقيلة في الهواء. وقف عز الدين أمام اللجنة. قميص يرتِّقُ الفقر على جسده كجلد ثانٍ، سترٌ واهٍ لنفاد الصبر المكتوم. خلف نظارته المهتزة، نقوش الليالي الخافتة.
لم يرفع عينيه عن الورقة. تلا: "يصعد الجوع، كأفعى رقطاء، من تحت بلاط القصر المذهب. يهمس في أذن الحارس النائم: 'ما قيمة تاج يتلألأ على رأس يخاف ضوء النهار؟'".
الصمت؛ خَمَدَت الأصوات، كأن همساً غريقاً تحت الماء. خلف المنصة، المحكم مصباح يمسح بيده على بطنه المستدير. هز رأسه ببطء.
"قصيدة ممتازة يا عز الدين. تصوير يكاد يلامس، وتكثيف شعري مدهش." قالها مصباح بصوت رخيم يحمل ثقل المناصب. ثم استدار نحو الأعضاء، الذين ذابت رؤوسهم في إيماءات مذعنة.
"شكراً لكم." الكلمات خرجت جافة، حبيبات رمل من حلق مبتل بالتوتر.
إشارة من إصبعه الغليظ نحو النص على الطاولة عطَّلتْ أنفاس عز الدين. "إفراط في التصوير، ألا ترى؟ الأدب رقيق، يجب أن يُحلِّق بنا بعيداً عن... الواقع الملموس. مهمتنا هي منح الأمل، لا أن نُلقي بهم في بئر المتاعب."
شعر عز الدين بقلبه ينكمش. "أنا أنقل ما أراه، يا سيدي. الجوع حقيقة، والخوف يسكن الجدران. أنا أكتب عن الناس الذين أعيش بينهم."
ابتسم مصباح ابتسامة هادئة، خالية تماماً من التوتر. "نحن نقدّر إخلاصك. لهذا، قررنا أن نمنحك المركز الثاني. الجائزة الكبرى، ومكافأة النشر، هي من نصيب الشاعر الذي كتب عن جمال زهور النيل وسلام المراكب الشراعية."
حمل ورقة الترضية، وجبة واحدة بالكاد تطعم خيبة الأمل.
في طريقه، مرّ أمام مكتبة البلدية الضخمة. انعكس وجهه الضبابي على النافذة. على الرفوف الداخلية، كانت ترقد رواية "أصوات من الهاوية"، العمل الذي مُنع قبل خمس سنوات: "تشاؤم مفرط وإثارة للفتن".
رفع رأسه. رأى على الجدار إعلاناً ضخماً وملوناً: صورة المحكم مصباح، رئيس لجنة التحكيم، وتحتها بخط عريض: "قريباً... ديوان شعر مصباح: قصائد في النيل والأمل".
مرت أمامه عربة قمامة قديمة. توقفت تماماً أمام لافتة المحكم مصباح. نزل عامل النظافة ليرفع كيساً ضخماً وممزقاً.
سحب الكيس. انفرطت محتوياته فجأة على الرصيف القذر.
لم تكن فضلات طعام أو أوراق مهملة. كانت أكواماً من الكتب الممزقة.
تحت قدم العامل، لمع غلاف ممزق لـ "أصوات من الهاوية".
لم يكن ذاك العامل سوى الشاعر الفائز بالجائزة الكبرى.
نظر إليه عز الدين بعينين مطفأتين، عينان حبرهما الجوع، لم ترهما زهور النيل قط.
انحنى العامل ليجمع "الأمل" الممزق من الرصيف.








































