على عتبةٍ حجريةٍ باردة، تُجمد "ليلى" بصرها فوق قضبانٍ يبتلعها رمادُ الضباب. شتاءٌ قارسٌ يقضمُ أطرافَ معطفها، وعقاربُ ساعتها الصدئةُ تلوكُ الدقائقَ ببطءٍ جنائزيّ.
خلفها، نبت صوتُ "الناظر" العجوز من بين ثنايا الوشاح:
"الرؤيةُ منعدمة، لكنه سيصل."
أجابته، وعيناها معلقتان بالأفق:
"يَعِدُني دائماً أن نلتقي عند توقفِ الدخان."
أطلَّ القطارُ؛ وحشاً حديدياً يزفرُ غيوماً كبريتية. صرخت المكابحُ صرخةً شقّت صمتَ الغابة، وتوقف المحركُ أمامها تماماً. انفتحت الأبوابُ، نزل ركابٌ بملابس عتيقة، وجوههم شاحبةٌ كأنها نُحتت من غبار، ثم تلاشوا في العدم.
وقفت ليلى، شدّت قبضتها على مقبض حقيبتها الحمراء، وبحثت عن وجهه بين العابرين. فرغ الرصيفُ.صمت النبضُ.بقي القطارُ رابضاً كجثةٍ هامدة.
استدارت للناظر بخيبةٍ مبللة:
"المحطةُ خالية.. لماذا لم يأتِ؟"
أشار العجوزُ بسبابةٍ مرتجفة نحو الحقيبةِ القابعةِ عند قدميها، وهمس:
"لا أحد ينزلُ في هذه المحطة يا ابنتي.. هذا قطارُ المغادرين، وأنتِ مَن تملكُ التذكرة."
نظرت ليلى لأسفل؛ كانت يَدُها التي تمسكُ الحقيبةَ مجردَ ضبابٍ شفاف، بينما الحقيبةُ نفسها ممتلئةٌ فقط برائحةِ البخورِ وصورِ العزاء.








































