كانت المجزرة العتيقة، التي تركت وشمًا أسود على جبين المدينة، تنام الآن تحت وشاح من النسيان الزائف. كل حجر فيها يهمس بحكايا، وكل زاوية تخبئ أنفاس الراحلين. وعلى أعتابها، حيث كانت دماء الأبرياء ترسم خارطة الألم، نبتت زهرة قرمزيّة، تفتحت على غير موعد، غريبة في جمالها، آسرة في روعتها، كأنها قبضة حب في قلب العدم.
تتبعها الزمن كظل، تارة يداعب أوراقها، وتارة يلسعها ببرده. لكنها ظلت قائمة، شامخة، تروي صمودًا يكسر صمت السنين. اعتقد الجميع أنها رمز البقاء، ترنيمة الأمل بعد اليأس الطويل، حتى أن طفلًا ولد في ذاك اليوم، كان يزورها كل فجر، يلقي عليها تحية العمر، ويستلهم منها شجاعة الغد. كبر الطفل وصار شيخًا، والزهرة لم تذبل، بل ازدادت نضارة وغموضًا.
ذات صباح شتوي قاسٍ، عندما استيقظ الشيخ ليزور رفيقة دربه، وجد الزهرة قد تبخرت، لم يبق منها أثر. لم يبق سوى صدع عميق في الأرض، ومن جوفه انبثق صوت خفي كأنه أنين الموت، يقول: "كنت أنا رصاصة المساء الأخير... وتفتحت لأدفن المذبحة في ذاكرتكم... والآن، اكتفيت."








































