تسمّرت مُقلتا "عمار" على نحيب الحصى المترامي من ثغر المدرسة الأكّال. هنا، زمنٌ أثقلته الأضرحة؛ رائحة الطين النيئ تخالط عبق طباشيرٍ مُحتضر، والصفوفُ هياكلُ خاوية، لم يَدُسها مدادٌ مُخصّب منذ انقضى العقد. خلف هذا الجدار المُوشك على التقيّض، كانت الأصفارُ تتفجّرُ في جداول ديوان المحاسبة: ملياران ابتلعها سراب "المشاريع القزّحية" التي وُعدت لتكونَ أوردةً للوطن. عمار، الذي لم يتجاوز الخمسين، كان يطوي "صكّ اليقين المُعلّق" تحت إبطه، يغرسُ البصل في رئة الأرض الضيقة ليُسكت جوعَ براعمِه.
في ذات الحيز، على مرمى حجر، كانت أبواقُ الزجاج تَقذفُ صورًا لمؤتمرٍ صاخبٍ كطبول حرب. "سعادة النائب" يرتدي وشاحَ الرماد، وعيناه توميئان بقداسة الغضب. القضيّة؟ صرخةٌ برلمانية مُجلجلة تطالب بـ "تجميد الزيادة في أرزاق جند الخريف، الذين أورثوا الوطن عُمْرهم، ثم لُفِظوا إلى رحاب النسيان".
المدينةُ هي صُرةُ اللحظة؛ حيثُ يتقوّسُ ظهرُ العلم والعيش، وحيثُ تُنصبُ خيامُ النزال على أضلعِ مَنْ باعوا أرواحهم على الثغور.
تلك العشيّة، استمع عمار إلى تنهيدة ابنته اليتيمة:
"أبتِ، غشيتني الظلمة، قمرُ الكهرباء لم يشرق كعادته."
نهض عمار، أوقد كوكب الزيت الباكي، ثم التقط خِرقةَ الذاكرة من جيبه. حدّق فيه طويلًا. كانت الخرقةُ تحملُ وشمًا غامقًا من حبرٍ قديم.
صدمةُ إهالةِ الرماد:
مدّ يده إلى الصندوق الصارخ، فأسكت صوتَ الموتِ البطيء الذي يُحرّض على جلدِ كرامة الأبطال، وأشعلَ كوكبَ الزيت. بكل خشوع، مزّق عمار "صكّ اليقين المُعلّق" الذي كان يُخبئه، وألقى به ليتعانق مع فتيلِ الخيبة.
رفع رأسه وقال لابنته:
"يا زهرتي الصغيرة، لا خوف عليكِ. غدًا سنطرقُ بابَ الترسيم. سأُسجلكِ في فرقةِ "شدّ العضد" بدلاً من "هيكلِ الكتاب". عسى أن تُنصِفكِ الأيادي قبلَ أن تُنصِفكِ السطور."








































