يا بُنيّ، تعال واجلس إلى جانبي قليلًا. لا تشغلْ نفسك بالهاتف، فهذه الليلة أريد أن أحكي لك شيئًا مختلفًا. قصةٌ لا تُروى من كتاب، بل من قلبٍ قضى عمره بين الكتب.
هل ترى هذه الطاولة التي أمامنا؟ كانت يومًا أجمل ما في غرفتي. كنتُ أضع عليها كتبي، أقلامي، وفنجان القهوة الذي يبرد قبل أن أرتشفه. اليوم صارت جزءًا من الذاكرة، مثل صاحبها تمامًا.
سأقصّ عليك كيف بدأتُ أكتب، وكيف وجدتُ نفسي في الحبر والورق، وكيف تحوّلتُ من قارئٍ بسيط إلى رجلٍ لا ينجو إلا بالكلمة.
كنتُ في عمرك تقريبًا، شابًّا خجولًا، لا أملك من الدنيا إلا بعض الحلم والكثير من الأسئلة. لم أكن أقرأ حينها كثيرًا، ولم تكن في بيتنا مكتبة بالمعنى الحقيقي، سوى بضعة كتب مدرسية وجرائد قديمة يلمعُ بها أبي الزجاج أحيانًا.
لكن شيئًا في داخلي كان يشعر بالفراغ، كأنّ هناك مساحة في القلب تنتظر شيئًا يملأها.
وذات مساءٍ، وبينما كنتُ أتمشّى بلا هدف في السوق القديم، مررتُ بمكتبة صغيرة، بابها الخشبيّ نصف مغلق، تتسللُ من داخله رائحة الورق المعتّق.
كانت المكتبة قديمةً، سقفها منخفضٌ كأنّها تختبئ من ضجيج العالم. دخلتُها بدافع الفضول فقط، لا أكثر.
هناك، على أحد الرفوف، رأيتُ كتابًا مختلفًا. لم يكن غلافه جميلًا، لكنه لفتني بطريقةٍ غريبة. ربما لأن عنوانه كان بسيطًا وصادقًا.
فتحته، وقرأتُ الجملة الأولى، فشعرتُ بشيءٍ يتحرك في صدري. لم أفهم تمامًا ما قرأته، لكني أحسستُ كأنّ الكاتب يتحدث إليّ أنا وحدي. اشتريتُ الكتاب دون تردد، وعدتُ إلى البيت كمن يحمل كنزًا.
قضيتُ الليل كلّه أقرأ. لم أشعر بالوقت. كلّ صفحة كنتُ أقلبها كانت توقظ فيّ شيئًا نائمًا. كان ذلك الكتاب أول نافذةٍ فتحتها على نفسي.
منذ تلك الليلة، تغيّر كل شيء. صرتُ أزور المكتبة كثيرًا، أشتري كتابًا أو أستعير آخر. تعلّمتُ أن أقرأ ببطء، أن أعيش مع الكلمات كما يعيش الناس مع الأصدقاء. كنتُ أضع خطوطًا تحت الجمل التي تمسّني، وأكتب بجانبها ملاحظات صغيرة بخطٍّ متعثرٍ، وكأنني أحاور الكاتب.
لم أكن أعرف حينها أنني أكتب أولى سطور حياتي الحقيقية.
الكتب يا بُنيّ، كانت مدرستي الأولى. علّمتني كيف أرى العالم بعينٍ أخرى، وكيف أسمع صوتي في الزحام.
شيئًا فشيئًا، لم تعد القراءة تكفيني. شعرتُ بحاجةٍ لأن أقول شيئًا من نفسي، أن أترك أثرًا كما ترك أولئك الذين أحببتُهم في الكتب.
في ليلةٍ ممطرة، جلستُ على طاولتي الصغيرة، وفتحتُ دفترًا ، وكتبتُ أول جملةٍ في حياتي:
"نجوتُ، لكني لم أعد كما كنت… لقد تركت أجزاءً مني في كل حفرة سقطتُ فيها."
لم تكن جملةً متقنة، لكنها كانت صادقة، وكان ذلك كافيًا.
شعرتُ حينها أنني أتنفّس للمرة الأولى.
منذ ذلك اليوم لم أتوقف. صرتُ أكتبُ كلّما ضاق صدري، وكلّما عجزتُ عن الكلام. كنتُ أفرغُ حزني على الورق بدلًا من الناس.
الكتابة يا ولدي كانت طريقتي في الفهم، في التعبير عن الحياة، في النجاة.
كبرتُ، وتغيّرت المدن، وابتعدتُ عن مكتبة الحيّ، لكنّ الكتب ظلّت معي. كلُّ مرحلةٍ في حياتي كان لها كتابٌ يشبهها، وصوتٌ من الماضي يُرافقها.
كنتُ أحتفظ بكلّ كتابٍ أحببتُه على رفٍّ خاصٍّ في غرفتي، أسمّيه “رفّ الاشتياق”.
كلّ كتابٍ هناك يحمل ذكرى: لحظة وجعٍ، أو حلمًا صغيرًا، أو فكرةً أنقذتني من اليأس.
وأحيانًا، في ليالٍ معينة، أفتحُ واحدًا منها وأقرأ بضع صفحات، لا لأتعلم، بل لأتذكر من كنتُ.
مرتِ السنوات، وأصبحتُ أبًا، مثلما تراني اليوم. أكتب كثيرًا كما كنتُ أفعل، ما زلتُ أؤمن أن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يُبقي الإنسان حيًّا بعد موته.
حين تكتب، يا بني، أنت تترك نسخةً من روحك للعالم.
قد لا يقرأها أحد اليوم، لكنّها ستجدُ طريقها غدًا إلى من يحتاجها، تمامًا كما وجدتُ أنا كتابي الأول في تلك المكتبة الصغيرة.
أتدرِي ما هو أغرب ما اكتشفتُه بعد كل هذه السنوات؟
أنّ الكتب لا تُغيّر العالم حقًّا… بل تُغيّر القلوب التي تغيّر العالم.
القراءة لا تُعطيك الحقيقة، لكنها تعطيك القدرة على السؤال عنها.
والكتابة لا تمنحك الجواب، لكنها تُشعرك أنك لست وحدك في بحثك عنه.
يا ولدي،
حين يضيق بك الطريق، لا تهرب من الألم… اكتبْه.
وحين تشعر أنّ العالم لا يفهمك، لا تغضب… دوّنْ ما في صدرك.
سيأتي يومٌ تقرأ فيه كلماتك القديمة، فتعرف كم كنتَ صادقًا، وكم كنتَ حيًّا.
الآن، انظرْ إلى هذه الرفوف حولنا.
كلُّ كتابٍ هنا هو حكاية، وكلُّ حكايةٍ تحمل قلبًا نابضًا.
لقد كنتُ واحدًا من هؤلاء الذين كتبوا ليعيشوا، لا ليُقرأوا.
وربما، حين أرحل، سيبقى شيءٌ منّي بين هذه الصفحات ، أو هامشٌ صغيرٌ كتبتُ فيه بخطٍّ مائل:
“كنتُ أحبّ الكتب، لأنها كانت تفهمني حين لا يفهمني أحد.”
يا بني،
إنّ القراءة ليست هواية، بل طريق.
والكتابة ليست موهبة، بل خلاص.
وما بينهما يعيش الإنسان الحقيقي… الإنسان الذي يبحث عن نفسه في الحروف، لا في المرايا.
خذْ هذا الكتاب من رفّ الاشتياق، وافتحه.
هو أول كتاب قرأتُه في حياتي.
اقرأ منه الصفحة الأولى، وستفهم ما عنيتُه كلّ هذا الوقت.
ستعرف أنني، منذ تلك الليلة البعيدة، لم أعش سوى لأكتب…
ولأترك لك شيئًا تقرأه حين تشتاق إليّ.
9/11/2025








































