منذ سنواتٍ لم اعد أندهش من شيء. صرت استيقظ كما تستيقظ الجدران، ببرودةٍ لا تخصّ الفصول بل تخصّ القلب. لم اعد أعرف في أي يوم أعيش، فالأيام عندي تشبه صفائح معدنية تتراكم فوق بعضها، بلا لون وبلا أثر، سوى وزنها الذي يزداد.
عشتُ طويلًا بما يكفي لأرى كل ما ظننته ثابتًا يتحلّل، وكل ما ظننته متينًا يتهاوى. ولست متفاجئًا، أو ربما فقدت القدرة على الدهشة منذ زمن. كل ما أعرفه الآن أنني أصبحت أستيقظ كما تستيقظ الحجارة: بلا رغبة، بلا حنين، وبلا صوت يشير إلى حياةٍ مرّت من هنا.
كنتُ في زمنٍ ما أظنّ نفسي قادرًا على إنقاذ كل شيء: علاقتي بالناس، صداقاتي، تلك الروابط التي كنتُ أسقيها من وقتي وجهدي وطمأنينتي. كنتُ أبادر بالصلح، أتكلم عن حسن النوايا، أفتح الأبواب للذين يغلقون صدورهم، وأحيانًا أفتح قلبي لمن لا يستحق حتى ظِلّه. وكلما سقط شيء مني، لم أسمح لنفسي أن أتوقف، كنتُ ألملم ما تبقى، وأستمرّ. كنتُ أعتقد أن الاستمرار فضيلة، وأن العتاب محاولة للنجاة، لكنني اكتشفت متأخرًا أنني كنتُ أستنزف نفسي باسم العلاقات التي ماتت منذ زمن دون أن أعترف بذلك.
لا أستطيع تحديد اللحظة التي تغيّرت فيها. ربما كانت لحظة واحدة، وربما آلاف اللحظات الصغيرة المتراكمة التي لم ألاحظها إلا حين صار الصداع عادة. كل ما أدركه أنني ذات يوم توقّفت فجأة عن الركض خلف أحد. توقفت عن تذكير الناس بوجودي، عن إرسال الرسائل التي لا يرد عليها أحد، عن تبرير غيابٍ لم أعد أصدّق أنه عفوياً. كنت أكتب ثم أحذف، أشتاق ثم أسكت، أعاتب في داخلي وأصمت في وجوههم.
أدركت أن العتاب ليس حبًا، بل محاولة متأخرة لإنعاش جثة.
ومتى رأيت الحقيقة هكذا، بلا تجميل، بلا محاولة لتسكين الألم، بدأتُ أرى الأشياء بوضوح جارح. رأيت أن الذين كانوا يقولون “نحن هنا” لم يكونوا هنا حقًا. كانوا ظلالًا تمرّ في عتمة الأيام، تظهر حين يحتاجون شيئًا ما، وتمضي حين تكتفي أيديهم. رأيت أن العلاقات ليست خيانة مفاجئة، بل انسحاب تدريجي، بطيء، لئيم، يبدأ بكلمة ناقصة، بنبرة متغيّرة، بغياب صغير، ثم يتحول إلى صمتٍ كامل لا يستطيع أحد تفسيره.
كنت أقول لنفسي:
لا أحد يتغير فجأة.
الناس يتعبون، يملّون، أو يكتشفون أنهم لم يحبوك بما يكفي.
كثيرًا ما كنت أجلس قرب النافذة، لا أبحث عن وجه محدد، بل أراقب ضوء المدينة وهي تضع رأسها بين يدي الليل. كنت أسمع ضجيجها من بعيد، وأشعر بأنه لا يعنيني. حتى الأصوات التي كانت تبعث في داخلي دفئًا، صارت تضغط على رأسي كحشرجة. كنت أعرف أنني تغيّرت، وأن في داخلي جزءًا انطفأ ولن يعود. ربما لم يمت، لكنه أصبح رمادًا، والرماد لا يشتعل مهما حاولت.
أحيانًا، كنتُ أفتّش في قلبي كما يفتّش الغريق عن شيء يتمسّك به. أجد أسماء كثيرة، لكنني لا أجد شخصًا واحدًا يمكنني أن أقول إنه بقي. ليس لأنهم سيئون؛ لا، بل لأنهم هشّون. رقيقةٌ هي النفوس التي نظنها صلبة. تنكسر من أقل كلمة، وتغيّر اتجاهها من أول ريح. وأنا، رغم كل شيء، كنتُ أحتاج صلابة حقيقية، احتواء لا مشروطًا، يدًا تمتد لي دون أن أستدعيها. لكن لا أحد يفعل. ليس الآن، ولا سابقًا. ربما لم أُخلق لذلك النوع من الحظ.
في البداية، كنت أقاوم. أحاول أن أبدو طبيعيًا، أضع ابتسامة صالحة للاستخدام اليومي، أُظهر اهتمامًا لا أشعر به. لكنّ التظاهر منهك. يسرق من الروح أكثر مما يعطيها، ويتركك في النهاية فارغًا كقنينة ماء تُركت تحت الشمس. كنت أعود إلى البيت منهكًا، لا من العمل، بل من الناس. من هذه الوجوه التي يجب أن أقنعها أنني بخير حتى لا يسأل أحد، وحتى لا أشرح ما لا يُشرح.
كنت أعرف معنى الوحدة منذ زمن، لكن الوحدة التي تُفرض عليك ليست كوحدةٍ تختارها. التي تُفرض عليك تُشبه زنزانة بلا جدران، ضيقة رغم اتساعها، خانقة رغم صمتها. أما الوحدة التي اخترتها، فقد جاءت متأخرة لكنها جاءت كخلاص. كنت أتعلم كيف أصمت، لا لأنني أريد ذلك، بل لأن الصمت صار رحمًا آمنًا لا يوجعني فيه أحد.
ومع الوقت اكتشفت أنني لم أعد أغضب، وهذا أسوأ. الغضب يعني أنك ما زلت تهتم، أنك ما زلت قادرًا على الرد. لكنني صرت أرى الخذلان وأبتسم. أرى الانسحاب فأرفع كتفي. صرت أقول: “كما تريدون.” صرتُ أخفّ، لا لأن روحي صارت طائرة، بل لأنني تخلصت من الأثقال التي كنت أحملها على هيئة أشخاص.
ولم يعد أحد يخطر على بالي كما كان يحدث سابقًا. صرت أعتبر الذكريات مجرد شقوق على جدار، لا يعود أحد لإصلاحها. بعض المصائر تُبنى على الفقد، وبعض الأرواح تُصقل بالألم. وأنا تعلمت، ولو بعد حين، أن أحمل وجعي وحدي وأمضي.
لم أعد أكتب رسائل ولا أُصدر اعتذارات. لم أعد أطلب تفسيرًا من أحد. لم أعد أسأل لماذا تغيّرت، ولماذا لم تعد تهتم، ولماذا صارت المسافات ثقيلة. كل ما أعرفه أنني كنتُ صادقًا، ولم يكن أحد مثلي. كنتُ وفيًا، ولم يتقن أحد الوفاء كما أتقنته. وهذه ليست فضيلة، بل لعنة لا يفهمها إلا من تعب من نفسه.
في الليالي الأخيرة، صرت أشعر أنني أصل إلى نهاية شيء ما. ليس نهاية علاقة، بل نهاية مرحلة كاملة من عمري. مرحلة العطاء بلا حدود، والقلب المفتوح بلا حراس، والعتب الذي كنت أعتبره دليل قرب. كل ذلك انتهى.
واكتشفت أن التجاهل صدقة، نعم. صدقة تحمي النفس من الفقر العاطفي، وتمنح القلب مساحةً للتنفس من دون أحد.
والعتاب ترف، لا يستحقه إلا من يساوي دمعك ووقتك ومشيتك نحوه.
والمواقف خريفٌ حقيقي، يسقط فيه المزيفون كأوراقٍ فقدت ماءها.
أما الذين يبقون، فهم جذورك. قلة قليلة، أحيانًا لا يُرى منهم أحد.
لكن الله يعوّضك بهم في لحظة ما، حين تحتاجهم لا يأتون، لكنك تشعر بوجودهم دون أن يُطرق الباب.
والأهم…
أن الإنسان حين يصل إلى مرحلة لا ينتظر فيها أحدًا، يصبح أقوى مما يظن.
يصبح حرًا، خفيفًا، واقفًا على قدميه دون سند.
يصبح قادرًا على أن يقول:
“أنا لا أحتاج إلا نفسي، وما بقي مني يكفيني.”
وفي تلك الليلة البعيدة، حين أغلقت هاتفي وأطفأت الأنوار، نظرت إلى السقف وقلت لنفسي:
لقد تعبت.
لكنني لم أنكسر.
وهناك فرق كبير بين السقوط والانتهاء.
ثم استسلمت للنوم، لا لأنني مطمئن…
بل لأنني أخيرًا لم أعد أنتظر أحدًا.
لم يوقظني النوم تلك الليلة، بل أيقظني شيء يشبه اليقظة أكثر مما يشبه الحياة. لم أعرف كم ساعة مرّت، لكنني نهضت وفي رأسي ثقل يشبه الأيام التي تكدّست فوقي. شعرت كأن شيئًا انخلع من داخلي، شيء يشبه: الوهم.
كنت أعتقد أنّني محاط بالناس، لكنني اكتشفت أنني كنت محاطًا فقط باحتياجاتهم… لا بقلوبهم.
وهذا الفارق
—كم أتمنّى لو فهمته قبل أن تهترئ روحي.
قلت لنفسي:
"أنا لم أعد كما كنت… ولا بأس."
لأول مرة لم أقاتل هذه الفكرة.
لم أقاومها.
تركتها تجلس في صدري مثل ضيفٍ يعرف جيدًا أنّه سيبقى طويلًا.
بدأت أراقب الأشياء التي كنت أغضب منها، أستفزّ منها، أعاتب بسببها…
ووجدت نفسي أبتسم بسخرية باهتة.
رسالة لم تُجب؟
لا بأس.
قلب تغيّر؟
ليتَه فعلها من قبل.
وعد لم يُنفّذ؟
لا أحد يلتزم في هذا العالم إلا من يخاف ضميره… والقليل يفعلون.
لم يعد هناك شيء يستحقّ أن أنهار لأجله.
كنت أتعلم وحدي، وبالمشقة ذاتها التي تُعلِّمُ بها الحياةُ الأيتام:
قاسية…
صوتها خشن…
وضربتها لا تُنسى.
لكنها، رغم كل ذلك، صادقة.
والصدق، مهما كان حجريًّا، يربّي الروح أكثر من كل محاولات اللطف.
الصدق مؤلم، لكنه لا يخدع.
وفي ليلة أخرى، تشبه الأولى في سوادها، لكن تختلف عنها في عمقي أنا،
جلستُ أمام المرآة.
لم أكن أبحث عن وجهي، بل عن حقيقةٍ ما بداخلي.
شيء يشبه سؤالًا بلا صوت:
متى فقدتُ آخر شخص كان يعني لي العالم؟ ومتى فقدت نفسي؟
لم أجد إجابة واضحة، لكنني وجدت آثارًا كثيرة:
ملامح مُتعبة،
عينين تلمعان دون دموع،
شفاهًا اعتادت الصمت أكثر من الكلام.
لم أعد أبدو حزينًا.
صرت فقط… هادئًا.
والهدوء حين يأتي بعد الفقد، لا علاقة له بالسلام.
هو استسلام كامل لواقعٍ لا يمكن إصلاحه
قلت لنفسي:
"أقوى ما يصل إليه الإنسان… أن يكتفي بنفسه بعد أن خذله الجميع."
ومن يومها صرت أرى العلاقات كالفصول:
لا أنكر جمال الربيع،
لكنني لم أعد أتفاجأ بالخريف.
تمامًا كما لم أعد أبحث عن أحد،
ولا أنتظر من أحد،
ولا أشرح نفسي لأحد.
لأن الحقيقة الأعمق، التي جاءتني متأخرة لكنها جاءت،
هي أن الإنسان لا يُشفى حين يجد من يحبّه…
بل حين يكفّ عن ملاحقة من لم يعرف قيمته.
وعرفت في آخر الطريق أن أجمل أشكال الحكمة
هو أن نُصادق وحدتنا،
ونُداري جراحنا،
ونمضي في الحياة كما لو أننا نأتي إليها أول مرة،
لا نملك شيئًا…
ولا نخاف فقدان شيء.
فالذين أحبونا حقًا، لن يحتاجوا أن نذكّرهم بنا،
والذين نسَونا، كانوا عبورًا لا أكثر،
وجمال العبور أنه لا يبقى…
ولا يؤذي بعد أن يختفي.
وهكذا تعلمت أن الحياة ليست صراعًا لكي نُمسك بالآخرين،
بل صراعًا لكي لا نفقد أنفسنا ونحن نمسك بهم.
ومن يفهم هذا…
يعبر العالم كله بكتفين خفيفتين،
وقلبٍ يعرف أن النجاة ليست أن تبقى…
بل أن تخرج من كل شيء كما دخلت:
أقرب إلى نفسك…
وهذا…
أصدق انتصارٍ وصلت إليه في حياتي.








































