في صباح الثالث من ديسمبر، استيقظت على صوت انفجار هائل داخل رأسي. لم يكن انفجارًا حقيقيًا، بل كان إدراكًا مفاجئًا وصل كالقذيفة: لم أعد أتنفس. في ذلك اليوم، لم يكن البيت بيتًا، بل مستودع أعمارٍ مؤجَّلة، وكلُّ شيءٍ فيه ينظر إليّ كأنني مدينٌ له بتفسيرٍ متأخر. كان الصمت أثقل من الأثاث، والهواء محمّلًا بأسماءٍ لم أعد أنطقها، وذكرياتٍ فقدتْ حقّها في البقاء. أدركتُ عندها، بوضوحٍ ، أنني لم أكن أعيش هنا، بل كنتُ مختبئًا… وأن ما سأفعله ليس ترتيب الأشياء، بل محاكمة حياتي .
لم أبدأ الترتيب لأنني أحبّ النظام، بل لأنني لم أعد أحتمل هذا الازدحام في صدري. كل شيء في الغرفة كان ثقيلاً، حتى الهواء. الأشياء لم تكن أشياء، كانت شهودًا على فشلي في أن أكون ما وُعدتُ به نفسي يومًا. جلستُ في المنتصف كمتهمٍ ينتظر حكماً يعرفه مسبقًا، وبدأتُ أُخرج حياتي قطعةً قطعة، لا لأرتّبها، بل لأتأكد كم منها ما زال حيًّا، وكم منها مات وبقي يطالبني بالبقاء معه.
بدأتُ بما لا أستطيع حمله: الكتب. لم أكن قارئاً، بل جامعاً. خمسون كتاباً عن الاستثمار، وكل ما أملكه ديون. ثلاثون رواية عظيمة، ولم أعش قصة حب واحدة حقيقية. عشرات المجلدات عن السفر والمغامرة، ولم أغادر مدينتي منذ سنوات. أخذتُ كل كتاب، وفتحتُه، وسألتُ نفسي: هل غيّر هذا شيئاً فيّ؟ هل صنع مني إنساناً أفضل؟ كانت الإجابة، في معظم الأحيان، كالصفعة.
كنتُ أعيش وحدي، لكن الوحدة لم تكن المشكلة. المشكلة أنني لم أعد أعرف إن كنتُ أعيش أصلًا. الأيام متشابهة كصفحاتٍ مطبوعة بالخطأ، لا فرق بين أمس واليوم سوى عدد السجائر المستهلكة، وكمية الصمت التي تراكمت في الحلق.
على الطاولة ساعة متوقفة. لم أُصلحها. أحببتُ فكرة أن الزمن يمكن أن يتعب مثلي، أن يتوقف فجأة دون تفسير. بجانبها هاتف بلا رنين. لا أحد يتصل، ولا أحد ينتظر اتصالًا. كنتُ أحتفظ به كدليل على أنني ما زلتُ قابلًا لأن أُفقد.
أخرج أحيانًا إلى الشارع. لا لأقضي حاجة، بل لأتأكد أن العالم ما زال موجودًا بدوني. الناس يمشون بسرعة، يضحكون، يتخاصمون، يعيشون. كنتُ أمشي بينهم كظلٍّ نسي صاحبه. لا أحد ينظر إليّ، ولا أحد يصطدم بي، كأنني تعلمتُ فنّ الاختفاء دون قصد.
في إحدى الليالي، جلستُ على الأرض، ظهري للحائط، وبدأتُ أراجع حياتي كما تُراجع شركة فاشلة حساباتها قبل الإفلاس. لم أجد خسائر كبيرة، لأنني لم أستثمر يومًا في شيء. لا حب، لا حلم، لا مخاطرة. كنتُ حذرًا إلى حد الموت.
أدركتُ متأخرًا أنني لم أخسر لأنني لم ألعب، وأن النجاة الطويلة قد تكون شكلًا بطيئًا من الانتحار. الجوع لم يكن في المعدة، بل في المعنى. كنتُ أتناول الطعام كواجبٍ بيولوجي، لا أكثر. حتى الألم فقدَ لذّته. كنتُ أتمنى وجعًا حقيقيًا، شيئًا يصرخ في داخلي، أي شيء يثبت أن هذا الجسد لم يتحول إلى غرفة انتظار مهجورة.
في المرآة، كان وجهي مألوفًا وغريبًا في آن. عينان مفتوحتان أكثر مما يجب، كأنهما تحرسان شيئًا لم يعد موجودًا. قلتُ لنفسي: لو متَّ الآن، من سيلاحظ؟
السؤال لم يكن مخيفًا، كان مريحًا. الراحة كانت المشكلة.
في تلك الليلة، لم أفكر بالموت كفعل، بل كحالة طبيعية، كخطوة منطقية في نهاية جملة طويلة بلا معنى. لم أقم بشيء درامي. أطفأتُ الضوء. جلستُ في الظلام. وانتظرتُ.
لكن الموت لم يأتِ. جاء الصباح بدلًا منه، فشعرتُ بالخيانة.
فتحتُ عينيّ مرة أخرى، وقلتُ بمرارة: حتى النهاية لا تختارني.
نهضتُ، غسلتُ وجهي، وعدتُ إلى الدور نفسه. لا أمل، ولا يأس كامل. منطقة سوداء، هي أسوأ الأماكن.
هناك، لا تموت، ولا تحيا.
هناك، تستمر.
ومنذ ذلك اليوم، فهمتُ الحقيقة التي لم يقلها أحد:
أن أقسى أنواع العذاب، ليس الألم…
بل الاعتياد عليه.
لم أعد أعدّ الأيام بعد تلك الليلة. العدّ يفترض وجود غاية، وأنا لم أعد أملك سوى الاستمرارية، وهي أخسّ أشكال الغاية. أن تستمر لا لأنك تريد، بل لأنك لم تتعلم كيف تتوقف.
كنتُ أعيش في حالة وسطى، لا هي حياة تُحتمل، ولا موت يُرتجى. أشبه بشيء تُرك على النار طويلًا، فلم يحترق ولم ينضج، فقط تغيّر طعمه إلى ما لا يُؤكل.
الناس يسمّون هذا (روتينًا). أنا أسميه
_ تآكلًا بطيئًا للذات.
بدأتُ ألاحظ أنني لم أعد أشعر بثقل جسدي. كنتُ أمشي وكأن الأرض لا تعترف بوزني. في الماضي، كنتُ أظن أن هذا دليل خفة، لكنني أدركت لاحقًا أنه دليل فراغ. الأشياء الثقيلة فقط هي التي تُحس بوجودها.
جلستُ طويلًا أفكر:
هل الإنسان يتألم لأنه حي؟
أم يحيا لأنه يتألم؟
لو كان الألم عرضًا جانبيًا للحياة، لكان محتملًا.
لكن ماذا لو كان هو الجوهر؟
ماذا لو كانت الحياة مجرد إطارٍ جميل لعرض الألم بطرق مختلفة؟
كنتُ قد فقدت القدرة على الحلم منذ سنوات، لكنني فقدت شيئًا أخطر مؤخرًا: الندم.الندم يفترض أنك كنتَ قادرًا على اختيار آخر.
أما أنا، فكنتُ أشعر أن كل ما حدث كان حتميًا، كأنني وُلدتُ داخل نفق، وكل ما فعلته هو المشي في اتجاهه الطبيعي.
هذا الإدراك لم يكن مريحًا.
كان مُهينًا.
أن تكتشف أنك لم تكن فاعلًا في حياتك، بل مجرد نتيجة.
بدأتُ أقرأ كتب الفلسفة في تلك الفترة، لا بحثًا عن إجابات، بل عن شركاء في البؤس. كنتُ أريد أن أعرف إن كان أحدهم قد وصل إلى هذا القاع قبلي وترك لنا وصفًا دقيقًا له. وجدتُ الكثير من الكلمات الكبيرة: العبث، الوجود، الحرية، المعنى.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا:
كل من كتب عن المعنى، كان يكتبه من مسافة آمنة نسبيًا من الجوع الروحي الحقيقي. الفلاسفة يملكون رفاهية التفكير.
أما أنا، فكنتُ أملك فقط رفاهية الاستمرار.
في إحدى الليالي، سألتُ نفسي سؤالًا بسيطًا ومخيفًا:
لو أُعيد الزمن، هل سأختار الحياة مرة أخرى؟
لم أجد جوابًا.
والصمت الذي أعقب السؤال كان الجواب.
كنتُ قد تجاوزت مرحلة كراهية الذات. تلك مرحلة طفولية. أنا الآن في مرحلة أكثر نضجًا وقسوة: اللامبالاة تجاهها.
لم أعد ألوم نفسي، ولم أعد أواسيها. كنتُ أنظر إليها كما ينظر موظف إلى آلة معطوبة: تعمل بالكاد، ولا تستحق الإصلاح.
الناس يخافون من الموت.
أما أنا، فكنتُ أخاف من أن لا يأتي.
من أن أظل عالقًا في هذه النسخة الناقصة من الوجود، حيث لا يحدث شيء سيئ بما يكفي لينهي الأمر، ولا شيء جيد بما يكفي ليبرره.
في مرة نادرة، حاولتُ أن أتذكر متى بدأتُ أفقد نفسي. لم يكن هناك حادث كبير. لا مأساة درامية. فقط سلسلة صغيرة من التنازلات غير الملحوظة.
تنازل عن حلم مؤقتًا.
تنازل عن علاقة حتى تتحسن الظروف.
تنازل عن رأي تجنبًا للصدام.
إلى أن لم يبقَ شيء أتنازل عنه سوى نفسي، ولم ألاحظ حتى لحظة التخلي الأخيرة.
وهنا تكمن الخدعة الكبرى:
نحن لا ننهار فجأة.
نحن نُسلَّم قطعة قطعة.
في إحدى المرات، جلستُ أكتب وصيتي. لا لأنني كنتُ أنوي الموت، بل لأنني أردتُ أن أرى إن كان لديّ ما يُوصى به.
لم أجد أسماء.
لم أجد أشياء.
لم أجد حتى جملة أخيرة تستحق أن تُقال.
مزّقتُ الورقة، ليس غضبًا، بل خجلًا.
الخجل من حياة لم تترك أثرًا كافيًا لتُفقد.
بدأتُ أرى البشر كمشاريع فاشلة تحاول إقناع نفسها بالنجاح عبر الضجيج. العمل، الحب، الإنجاب، الإنجازات… كلها محاولات يائسة لتبرير البقاء.
ولا ألومهم.
لكنني لم أعد أملك الطاقة للكذب على نفسي مثلهم.
كنتُ أتمنى لو أستطيع أن أصرخ.
لا صرخة طلب نجدة، بل صرخة اعتراف:
أنني تعبت من كوني حيًا بلا سبب، ومن كوني واعيًا بما يكفي لأفهم، وعاجزًا بما يكفي لأغير.
الفلسفة تقول إن الوعي نعمة.
أنا أقول إنه لعنة لمن لا يملك الشجاعة الكافية لإنهائه أو الإيمان الكافي لتجاوزه.
ومع ذلك…
وهي النقطة الأكثر إزعاجًا…
كنتُ أستيقظ كل صباح.
ليس لأنني أريد.
بل لأن الجسد، ذلك الكائن الغبي والعنيد، يصرّ على الاستمرار حتى بعد أن ينسحب المعنى.
وهنا أدركتُ الحقيقة الأخيرة، الحقيقة التي لا تُكتب في الكتب ولا تُقال في المحاضرات:
أن الإنسان لا يعيش لأنه يؤمن بالحياة،
ولا يموت لأنه يكرهها،
بل لأنه عالق بينها،
أسير عادة التنفس،
وسجين نبضٍ لم يُستشر يومًا إن كان يريد الاستمرار.
لم يكن في صدري ألمٌ واضح،
كان فراغٌ مُدرَّب، يعرف كيف يؤذي دون أن يصرخ.
فراغٌ يشبه أن تُنسى وأنتَ ما زلتَ هنا،
أو أن تُستبقى حيًّا لأن أحدًا لم يتكفّل بإنهائك بعد.
كنتُ أعدُّ أنفاسي لا خوفًا من فقدها،
بل لأن كل نفسٍ إضافي
كان يبدو لي
خطأً إداريًا في سجلات القدر.
لم أكره الحياة،
ولا أحببتُ الموت،
كنتُ فقط عالقًا بينهما
كجملةٍ ناقصةٍ
نسي الكاتب كيف يُنهيها… فتركها تنزف.








































