لم أكن أؤمن يومًا بأنَّ الطريق يمكن أن يكشف للمرء حقيقة نفسه أكثر مما تكشفه الجدران التي يسكن بينها، أو الكتب التي يقرأها، أو المرايا التي ينظرُ إليها. كنتُ دائمًا أظنّ أنّ العالم يعطيك صورته كما هي، لكنني اكتشفت متأخرًا، أن العالم لا يكشف وجهه إلا حين تغادر المألوف وتمشي… طويلًا، وحيدًا، مُثقلًا بما في قلبك.
ذلك اليوم لم يكن مختلفًا عن غيره؛ سوى أنّني استيقظت بإحساسٍ غامض أن شيئًا ما ينتظرني، شيء لم أكن أعرفه بعد. غادرت المدينة التي ضاقت عليَّ بما رحُبت. صارت أصواتها كضجيجٍ داخلي، والوجوه التي أعرفها كصفحاتٍ أرهقها التكرار. أردتُ أن أخرج من دائرتي، أن أختبر لحظةً أكون فيها خارج ظلّي، بعيدًا عن كل ما أعرفه ويعرفني.
لم أكن أدرك، قبل تلك الرحلة، أن الطريق قد يكون أكثر صدقًا من البشر أنفسهم، وأنّ انكشاف الأرواح لا يحتاج إلى أعوامٍ من المعاشرة، بل إلى لحظة واحدة يضيق فيها الوقت وتتعرّى فيها النوايا.
كنتُ دائمًا ممّن يثقون بحواسّهم الأولى، ويستمعون إلى نبضهم قبل آذانهم، غير أنّ الحياة كما تفعل دائمًا كانت تُعدّ لي درسًا لا يشبه ما سبق.
بدأ الأمر كلّه حين قرّرتُ أن أقطع تلك المسافة الطويلة وحدي. كنت قد سئمتُ من المدن التي تُشبه بعضها، من ضجيج الناس، ومن الوجوه التي لا تقول شيئًا. أردتُ أن أصمت، أن أستمع إلى نفسي، أن أعرف إلى أين أذهب وأنا أظن أني أعرف الطرق.انطلقتُ فجرًا. وكانت الشمس حين ولدت في الأفق تُشبه وعدًا قديمًا تذكّرني به السماء. كان الرمل باردًا، والنسيم يَعبُرُ وجهي كأنه يمسح عنه بقايا العالم الذي تركته خلفي. لم أشعر بالوحشة، بل بشيء من الطمأنينة التي تُولد حين يخلو الإنسان إلى نفسه.
لكنّ الرحلة لم تسر كما خيّلتها.
فبعد ساعات طويلة من السير، تعطّلت السيارة، حاولتُ إصلاحها عبثًا. لم يمرّ أحد في هذا الطريق إلا قليلًا، وكانت الرياح تزداد حدّة، كأن المنطقة تتغيّر من صديقة إلى غريبة.
وفي ذلك الظهر الموحش، التقيتُ به.
جاء من بعيد على قدميه، حاملاً كيسًا مهترئًا على كتفه. لم يكن يشبه أحدًا ممن أعرف. لم يكن من مدينتي، ولا من لوني، ولا من لهجتي. كان وجهه غامقًا بفعل الشمس، ولغته فيها ميلٌ إلى غربة لم أسمعها من قبل. توقّف أمامي، نظر إلى السيارة، ثم إليّ، وقال بلهجة ثقيلة:
— "عالق؟"
أومأت. اقترب، فتح غطاء المحرّك، وأخذ يعبث به ببراعة أثارت دهشتي. لم يمضِ وقت حتى شهق المحرك حياةً جديدة. ثم أغلق الغطاء وصفّق بيديه ليُنفض عنهما الغبار، وقال:
— "جرب."
فعلت. اشتغلت السيارة.
نظرتُ إليه ممتنًا، وسألته إن كان بحاجة إلى توصيلة.
تردّد قليلًا، ثم قال:
— "إن كان طريقك شمالًا… نعم."
كان طريقه شمالًا.
وكان طريق قلبي دون أن أعلم إليه.
صعد بجانبي. لم نتبادل الكثير من الكلام في البداية. كانت لهجته مختلفة عن لغتي، وكان صمتي أقرب إليه من محاولة إيضاح الكلمات. لكن شيئًا ما في حضوره كان مريحًا، كأنّي أعرفه منذ زمن. كان ينظر من النافذة بعينين تشبهان أرضًا مرت بها الحروب، لكن بقي فيها شيء من المطر.
قطعتُ معه عشرات الكيلومترات. وحين اقتربنا من منطقة وعرة، طلب مني التوقف.
— "هنا… نكمل مشيًا. الطريق بعد قليل سيصعب."
سرنا طويلًا. لم نتبادل سوى كلمات قليلة. كان الصمت بيننا مريحًا، لا يشبه الصمت الذي يثير القلق حين تكون قرب من لا ترتاح لهم. كان صمتًا يشبه صلاةً تتردد داخل صدري.
كانت الطبيعة تمتد حولنا مثل حكاية تتبدل فصولها كلما تحركنا خطوة. الصخور تغدو أكثر وعورة، الأشجار أكثر شحوبًا، والهواء أكثر نقاءً وأبرد. كان الطريق صاعدًا، وكلما صعدنا أحسست أن شيئًا ما يتساقط عني: همٌّ قديم، ذنبٌ لا أعرفه، أو خوفٌ ظلّ يرافقني كظلّي.
واصلنا السير. بدأ التعب يأكل من ركبتيّ، لكن رفيقي كان يسير بخفّة غريبة، كأنّه يعرف الطريق ويعرف نفسه، بينما أنا أمشي وأنا أتعثر بقلبي قبل حجارة الطريق.
وعند الغروب وصلنا إلى وادٍ ضيق، يمتد بين جبالٍ عالية، كأنّ الزمن نسي أن يفتح له بابًا للخروج.
وجدنا مكانًا بين الصخور نرتاح فيه. أشعل رفيقي نارًا صغيرة من بقايا أغصان يابسة. لم أكن أعرف من أين جاء بها، فالظلام كان كثيفًا، لكنه مضى وكأنه يرى في العتمة ما لا أراه.
جلسنا قرب النار. كان صمت الليل ككتابٍ مفتوح على صفحة لا تتكرر.
سألني:
ــ "ممّ تهرب؟"
لم أتوقّع السؤال. ظننت أنه لن يتدخل في شؤوني. لكن صوته كان يحمل رفقًا لا يثير الحذر.
قلتُ له بعد تردد:
ــ "أهرب من الناس."
ــ "ولماذا؟"
ــ "لأنهم يخذلون، يتغيرون، يطعنون، ينسون… لأن قلوبهم ليست واحدة."
ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
ــ "أنت لم ترَ جميع الناس. رأيتَ فقط الذين عبروا حياتك. ولو رأيت غيرهم لعرفت أن القلوب ليست صنفًا واحدًا. وأن لغة الناس ليست في ألسنتهم… بل في نواياهم."
قلت:
ــ "وكيف أعرف النوايا؟"
فقال:
ــ "الطريقُ يفضح. والسفر لا يجعل الإنسان يقول… بل يُظهر ما يخفيه."
كانت الجملة تنزل في قلبي كنبضٍ لم أعرفه من قبل. شعرتُ أن الليل صار أوضح، وأن النار صارت أكثر دفئًا.
تابعنا السير. كان الطريق أكثر قسوة. الصخور تنحدر، والجبال تبدو كأنها تريد ابتلاع السماء. شعرت أني أصل إلى مرحلة من التعب لم أعرفها في حياتي. لكن رفيقي كان يسير كما لو أن قدميه تعرفان كل منحنى. بدا كأن الطريق يبدأ بالنزول نحو سهولٍ بعيدة، خضراء، ممتدة حتى الأفق. كانت تلك المرة الأولى التي أشعر فيها أن الرحلة بدأت بحقّ.
ثم حدث ما لم أتوقعه.
فجأةً، ومن غير سابق إنذار، زلّت قدمي فوق صخرة حادة وانقلبتُ عليها. شعرتُ بألمٍ فظيعٍ يقطع ساقي. سقطتُ أرضًا غير قادر على الوقوف. حاولتُ التماسك، لكن الألم انتشر حتى صرت أتنفس بصعوبة.
هو لم يتردّد. اقترب مني بسرعة، وضع حقيبته تحت رأسي، وقال:
— "لا تتحرك."
تفقّد ساقي بعناية، وربطها بقطعة قماش من ثوبه. كان التركيز على وجهه حادًّا كمن يعرف ماذا يفعل. لم يسألني من أنا، ولا إلى أي مذهب أنتمي، ولا ما جنسيتي، ولا من أي مدينة أجيء. لم يعبأ بلهجتي ولا بلوني. فقط كان حاضرًا بكل قلبه.
قلت له بين ألم وانقطاع نفس:
— "اذهب… لا تحملني. الطريق طويل."
نظر إليّ نظرة لا أنساها ما حييت، وقال:
— "الطريق طويل… نعم. ولهذا لا يُقطع وحدنا."
ثم رفعني.
رجلٌ غريب، لا يجمعني به شيء، يحملني على كتفيه كأنني أخوه الذي وُلد معه. كان يلهث، لكن خطواته ثابتة. وكلما حاولت أن أقول له إنه يمكنني المشي، أشار بيده صامتًا كأنه يقول: "اصمت. الواجب لا يُفاوض."
مشينا ساعات. الظلام يزداد، والبرد يشتد، وهو لا يضعني أرضًا.
كنت أشعر بثقل جسدي عليه، وأسمع أنفاسه تتقطع، لكنّه لم يتراجع.
سألته مرّة، بصوت خافت:
— "لماذا تفعل هذا؟"
قال دون أن ينظر إليّ:
— "لأن الطريق… يعرف أهله."
لم أفهم تمامًا ماذا يعني، لكنّ قلبي فهم.
حين وصلنا إلى مخيّم صغير للبدو، استقبلونا بالنار والشاي والماء. وضعوني على فراشٍ خفيف، وجاء أحدهم يداوي ساقي. أمضينا الليلة هناك. كان هو يجلس قريبًا، يراقبني بصمت، يحرص أن لا يقترب مني الألم.
وعندما جاء الفجر، جلستُ إليه وقلت:
— "لم أسألك عن اسمك."
فابتسم، وقال:
— "ولا أنا سألتك."
ثم أضاف:
— "الأسماء… لا تحمل أحدًا في الطريق. فقط النية تفعل."
كنت أشعر أني أمام حكمة تختبئ في رجل بسيط، رجل ربما لم يقرأ في حياته كتابًا، لكنه قرأ الحياة دون حروف.
قضينا ذلك الصباح نتحدث. اكتشفتُ أنه ينتمي إلى قومية أخرى، ويتبع مذهبًا ليس مذهبي، وجاء من بلاد بعيدة عن بلادي. ومع ذلك، وأنا أستمع إليه، لم يكن هناك أي اختلاف يهمّ. كانت الإنسانية أكبر من كل الجدران التي صنعناها.
قبل أن أرحل، ناولني قطعة من قماش ثوبه نفسه، تلك التي مزّقها ليربط بها ساقي، وقال:
— "أحيانًا… لا نمنح الآخر ما نملك، بل ما نقدر."
كانت تلك الجملة أثقل من الرمل الذي حملني فوقه طوال الليل.
لم أجد كلمات أقولها. شعرتُ أن الامتنان وحده لا يكفي.
سألته إن كان يريد شيئًا مقابل مساعدته.
نظر إليّ طويلًا وقال:
— "أنت… كن كما كنتَ في هذا الطريق. لا أكثر."
ثم ابتسم.
وللمرة الأولى رأيتُ في ابتسامته نورًا لا علاقة له بالشمس.
عدتُ إلى مدينتي بعد أيام، وكنتُ شخصًا آخر. لم أعد أرى الناس بعيونهم، ولا بلهجاتهم، ولا بألوان جلودهم. صرتُ أنظر إلى ما لا يُرى… إلى النيّة التي تسبق الكلمة، إلى القلب الذي يسبق الوجه، وإلى الخطوة التي تمهّد الطريق قبل أن نضع أقدامنا عليه.
واسأل نفسك سؤالًا واحدًا فقط:
"هل يقدر أن يحملني حين أقع؟ وهل أقدر أن أحمله إن تعثّر؟"
هذا هو الامتحان الحقيقي.
فالطريق لا يكشف البشر… بل يكشف النوايا.
ولا يختبر الأجساد… بل يختبر همّتها.
ولا يعترف بالانتماءات… بل يعترف بصدق القلب.








































