رأيتُ وجهًا لم أره قطُّ من قبل، وجهًا لا يُشبه الوجوه، كأنّه لم يُخلق من طين، بل صيغ من نور الوقار وسكينة الملكوت. كان بيضاويّ الشكل، تتوسّطه عينان تظلّلهما رموش كأنّما رسمتها أنامل فنان تشكيليّ بارع، تشبه غزالةً لم تطأ الأرض يومًا، بل خُلقت لتُحلّق في خيال الشعراء. لم أظنّها بشرًا، لولا أن ملامحها المورفولوجيّة دلّت على أنها أنثى سودانيّة من أقصى الشمال، وقد نسجت خطوط سوداء دقيقة على خديها، كأنّها وشم القبيلة، أو نقش الذاكرة.
كان ذلك في شهر محرّم، وكان اليوم عطلة بمناسبة رأس السنة الهجرية. خرجتُ صباحًا أتنزّه على الرصيف، والهواء عليل، والشارع شبه خالٍ. فجأة، أطلت من بعيد، راكبة درّاجة هوائيّة، ترتدي زيًا رياضيًا فُصِّل على جسدها كما تُفصَّل القصيدة على قافية من حرير. بدت كأنّها من بنات الطبقة البرجوازيّة؛ ليس فحسب لجمالها الذي يأسر الأبصار، بل لأنّ الرياضة التي تمارسها كانت حكرًا -أو تكاد- على فتيات الطبقات المُترفة.
توقفتُ قليلًا، أرقب اقترابها. كنتُ يومها من الوجوه المعروفة في المنطقة، لا تكاد تخلو مبادرة اجتماعيّة من بصمتي، وقد أسهمتُ مع رفاقي في نهضة الحيّ. حتى هي، كانت لنا معها سابقة خير، حين نفذنا معها مبادرة حفر بئر صدقة لصديقتها التي قضت في حادث مرور. كانت تعرفنا كما نعرفها، بل كأنّنا نعرفها أكثر مما نعرف أنفسنا.
اقتربت أكثر، ثم أوقفت درّاجتها أمامي... وليتها ما فعلت! فما إن ترجلت حتى أحسست بأن قلبي قد توقّف، لا رهبةً بل إجلالًا، وكأنّ نبضاتي وقفت تحيةً لعظمتها. نحن من لا يهاب أحدًا، مهما علا شأنه، لكن أمام هذا الملاك، تبخّرت شجاعتي، وذابت ملامحي، وتاهت كلماتي في خضمّ دهشةٍ لا تشبهها دهشة.
ما الذي أصابني؟ بحقّ السماء، ما هذا الذهول؟ تجمّدت دمائي، وتبعثرت خلايا جسدي، وكأنني صرت جسدًا بلا عصب، بلا صوت، بلا ظل. كان في صمتها ظلام، وفي حضورها نور، كنت أعلم -وما أصدق حدسي حينها– أنها دوائي وعلّتي، نجاتي وهلاكي، الجرح والبلسم معًا.
وما إن ابتسمت حتى أشرقت الدنيا، وما إن تحدّثت حتى تغنّت الحياة من حولي. تبادلنا أطراف الحديث، باقتضاب، فقد كانت مستعجلة، أعرفها من أولئك الذين لا يفرّطون في المواعيد، ولا يؤجلون الوقت. ودّعتني برقيّها المعتاد، لكنها تركت لي قبسًا من الأمل بدعوةٍ لزيارتها في مكتبها.
تركتني واقفًا بين الشكّ واليقين، أتساءل: أكانت رؤيا؟ أم أنّ الحياة تُخبّئ لي شيئًا لم أكن أنتظره؟








































