في منتصف سبتمبر نلتُ شهادةَ البكالوريوس في الهندسة الزراعية من جامعة سودانية مرموقة — إنجاز طالما كان حلماً سعيتُ إليه، ولم يكن جهدي وحده فيه، بل كانت لأسرتي الكريمة يد كبيرة في تحقيقه. لا أنسى الفرحة التي بدت على وجوههم حين أذيع خبر قبولي، ولا النشوة التي عمتهم حين جاؤوا من أقاصي السودان يحتفلون بتخرجي. تلك اللحظات جعلت من نجاحي ثمرة مشتركة؛ ووهبتني مسؤولية في آنٍ واحد أمام من أحبوْنِي وانتظروا هذا اليوم بفخر. لكنّ ثمار النجاح لا تكفيها لحظة احتفال؛ فهي تحتاج عملاً متوازنًا، واستمرارية في البناء حتى أكون إنسانًا يليق بتوقعات من أحبّوني. واقعنا — في دولةٍ لم تضع أسسًا واضحة لقبول الطلاب الجامعيين أو لاستيعاب خريجي الكليات — ترك فراغًا كبيرًا: أعداد متزايدة من الحاصلين على شهادات جامعية تواجه سوق عمل عاجزًا عن الابتلاع فزاد منسوب البطالة وازدادت معاناة الشباب. لقد بدا لي، كبعض زملائي، أن الحل بعيد إذا وضعنا كلّ ثقلنا على مسار الوظيفة الحكومية أو التعيين التقليدي. لم أعرف الاستسلام طريقًا؛ لم يكن ضمن قاموسي. لم أدرس لأرضي أحدًا فقط، ولم أقرأ لأشغل منصبًا فحسب؛ درست لأجد ذاتي، لأكون صوتًا يتسلّل إلى المساحات التي أختارها، ولأترك أثراً ينعكس إيجابًا على منطقتي وأسرتي. حين رأيت عيون أهلي المملوءة بالأمل، قررت أن أكون نموذجًا يفتخرون به ويقولون: (هذا من خير وبركات المهندس غازي) كانت الخطوة الأولى قبول الانتقال من إطار الصفة الأكاديمية إلى إطار الفعل المهني. واجهت صدمة التحول: الواقع يحتاج إلى مهارات لم أجدها في القاعات الدراسية وحدها. احتجت إلى تأهيل تربوي، إلى فهم كيف أتعامل مع الناس، وكيف أجمع المعلومات وأحللها وأبني بها مشروعًا يتناسب مع مؤهلاتي وإمكانياتي. سلكت طرقًا متعددة: عملت في فندق، طوّفت المصانع وشركات القطاع الخاص، طرقت أبواب المنظمات الوطنية بحثًا عن فرصة. كانت التجارب مريرة أحيانًا: بعض الجهات تطلب خبرات عملية لا أملكها، وبعضها يهيمن عليه محرض المحسوبية والوساطة. ومع ذلك لم أضعف؛ بل زادني ذلك تصميمًا على أن أُنمّي ذاتي بطرق أخرى. القراءة كانت ملجأي وموهبتي المفضلة. قرأت في مجالات التخطيط، تطوير الذات، وإدارة المشاريع؛ التحقت بورش عمل، وسعيت لاكتساب مهارات جديدة: جمع المعلومات، ترتيبها، التأقلم في بيئات مختلفة، والعمل بروح الفريق. حدّدتُ لنفسي هدفًا واضحًا — ألا أتوقف عن التعلم حتى أجد موطئ قدمٍ ثابتًا في المجال الذي أحببته وأنال به اعتزاز أسرتي. أدركتُ أن التطور لا يحدث صدفة؛ بل تأتي نتائجه مع التخطيط والعصف الذهني المنظم: نكتشف من نحن، نحدد نقاط الضعف لنقوّيها، ونستثمر نقاط القوة لتنفيذ مهامنا وتحقيق أهدافنا. الصعود إلى سلم النجاح يتطلب خطواتٍ مدروسة، وليس البقاء على قمة وهمية. وللشباب الذين قد يظنّون أن الهجرة هي الحلّ الوحيد، أقول: خيار البقاء والمقاومة خيار شاق لكنه يحمل فرصةً لصناعة تغيير محلي حقيقي. شهادتي بداية، لا نهاية. النجاح الذي يفرح أبًا وأمًا وأخًا يتطلب عملاً يوميًا، تعلمًا مستمرًا، ومواجهة حقيقية لتحديات سوق العمل بخطةٍ واضحة، ومهاراتٍ قابلة للتطبيق، وشجاعةٍ للاختراع خارج الصندوق. هكذا نصنع لأنفسنا مستقبلًا تفتخر به الأسرة والوطن.








































