كان الخريف قد أعلن حضوره منذ أيام، والسماء مثقلة بالغيوم، كأنها تتهيأ لولادة جديدة من المطر. الطريق إلى الحقل بدا مختلفاً ذلك الصباح؛ الأرض مبللة، والهواء مشبع برائحة الطين، والأشجار الصغيرة على جانبي الطريق ترفرف كأعلام خضراء في احتفال غير معلن. كنت أمشي وحيداً، أرافقني صوت خطواتي وارتطام قطرات الماء على قارورة صغيرة أحملها بيدي. في اليد الأخرى قارورة من النشاء أتناول منها لقيمات حين يشتد الجوع.
اخترت السير على الأقدام بدلاً من سيارات النقل. شعرت أنّ الطريق نفسه يناديني، أن كل شجيرة وكل غيمة تريد أن تروي لي سراً من أسرار هذا الصباح المختلف. الطبيعة كانت لوحة، لا يملّ النظر إليها، وكأنها أُعدّت خصيصاً لضيف واحد: أنا.
على مشارف الحقل، رأيته. رجل مسنّ، يتكئ على عكاز كمن يتوكأ على ذاكرة طويلة من الأيام. صوته لم يرد حين ناديته، اقتربت أكثر، حتى لمست كتفه. التفت إليّ بعينين متعبتين، وقال بابتسامة باهتة:
ــ "يا بني، سمعي ضعيف شديد، لا أدرك كلامك إلا إذا رأيتك تنطق أمامي."
سألته بدهشة:
ــ "إلى أين تذهب في هذا الجو يا عمّاه؟ الشمس كأنها غابت عنّا منذ شهر كامل، والهواء مبلّل بالرطوبة."
أجابني بهدوء وصرامة في آن واحد:
ــ "أنا ذاهب للحقل. عندي مساحة زرعتها طماطم، ولا بدّ أن أطمئن عليها."
أخذتني المفاجأة. أهذا الشيخ الهرِم لا يزال مزارعاً؟ كيف يحتمل جسده المنهك مشقّة الأرض والطين؟ داخلي كان يميل إلى الشك، لكن عينيه لم تتركا لي مجالاً إلا للتصديق.
قلت له:
ــ "يا عمّي، دعني أوصل رسالتك، فأنا ذاهب في طريقها. ارجع أنت لتستريح، فالطريق بعيد وأنت متعب."
لكنّه هزّ رأسه بعنادٍ جميل وقال:
ــ "لا يا بُني. أكثر من عشر سنوات وأنا أدير زراعتي بيدي، أراقب العمال وأوجّههم. الزمن تغيّر، لم تعد الثقة كما كانت، ولا الإخلاص كما عرفناه. من يترك أرضه بلا عين، كمن يسلّمها للضياع. العمل يحتاج إلى مراقبة عن قرب، وإلا فلا فائدة منه."
ثم صمت لحظة، تنهد وهو يثبت عكازه في الأرض، وأردف:
ــ "أنا لا أخشى على صحتي، بل أخشى على أرواح الشباب الذين تركتهم أسرهم يواجهون الشوارع وحدهم. الظروف يا ولدي أقسى من أن تسمح بالكسل أو التقاعد. كلنا محاصرون برزق اليوم. من يسعى، يجد لقمة عيشه، ومن يكسل، يبتلعه الجوع."
وقفت بجانبه أستمع، كأن المطر من حولنا يترجم كلماته إلى نغمة حزينة. كان المطر يبلل ملابسي، لكنه في داخلي بدا أشبه بالدموع التي لم يذرفها الشيخ، دموع معلّقة في السماء تنزل على الأرض لتروي الطماطم التي ذهب ليراقبها، ولتروي أيضاً يقينه بأن العمل هو الحارس الأخير للحياة.
واصلنا السير معاً. هو بخطوات متثاقلة لا تفقد صلابتها، وأنا بخطوات شاب يشعر أن الدرس الحقيقي في هذه الحياة قد أُلقي أمامه لتوّه: أن التعلّق بالأرض والعمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو مقاومة، ورفض صامت للاستسلام.








































