أكتب إليك، يا صديقي، والقلب مثقلٌ بما لا يُحتمل؛ هموم تتراكم، ومشكلات تنهال، كأنّها تقصدني وحدي دون سواي. أكتب، لا لأشكوك الحال، بل لأستعيد — ولو في الكتابة — وهج الأيام الأولى؛ تلك التي كنّا نركض فيها خلف الأحلام، نضحك دون سبب، ونؤمن بأن الحياة يمكنها أن تكون أكثر رحمة.
أما اليوم، فالأخبار لا تبعث على الطمأنينة. من المؤسف أن أخبرك بأن صديقك الذي كنت تعرفه، لم يَعُد كما كان. لقد تجرّد من إنسانيته شيئًا فشيئًا، حتى غدا آلةً تعمل بدقّة، دون روح، دون دهشة. أوقات الفراغ؟ ليست سوى مساحات جديدة للعمل، نستهلكها في مهام مرهقة أشدّ من العمل نفسه.
يا صاحبي... كم أفتقد دفءَ الصداقة، وطيش الشباب، وضحكة لا تخضع للحساب. صرنا نعيش في عالمٍ مادي بحت، عالمٍ لا يعترف إلا بما يُحسب ويُحصى، حتى لحظات الترفيه أصبحت رسميّة، مرهقة، خالية من العفوية.
الضياع لم يَطلني وحدي، بل طال الجميع. حتى الأطفال، أولئك الذين كنّا نُربّيهم على الحُبّ، نشأوا في فراغ عاطفيّ، لا يعرفون حنان الأب، ولا دفءَ الأم، ولا معنى البيت. هذا ما يوقظني ليلًا، ويُقلق نومي. نسينا أنفسنا في زحمة الجداول والميزانيات، وتنازلنا عن جمالنا البسيط مقابل وهم الإنجاز.
دخلنا عالم المال نظنّه مجالًا كغيره، فإذا به حقل ألغام؛ توظيف الأفراد، الذي ظنناه تفويضًا للعبء، لم يكن سوى مسؤولية إضافية. إدارة شبكة من العلاقات تتطلب عقلًا فارغًا من كل ألم، قلبًا بلا هم، وأنا لست كذلك... ولا أظنّ أنني سأكون.
أكتب إليك فقط لأتذكّر أنني ما زلت أملك صوتًا، وذاكرة، وحاجةً لأن أكون إنسانًا. لا أريد حلولًا، فقط أريد أن أتنفّس بعيدًا عن صخب الورق، وأعيد ترتيب داخلي قبل أن أتآكل تمامًا.
"بعض الرسائل لا تطلب جوابًا... يكفي أن تُقرأ بقلبٍ صديق."








































