قد تجمعنا في هذه الحياة وشائج من الألفة والمودة، تُقرّب بيننا المسافات وتُعزّز الروابط. فنلتقي في المناسبات، ونتبادل الهدايا، ونتشارك الأفراح والأحزان، بل ونفتح لبعضنا أبواب الخصوصيات التي لا تُفتح لغير المقرّبين. ومع ذلك، يبقى لكل علاقة حدودها، ولكل تعاطٍ ضوابطه.
فإذا ما دخل المال في المعادلة، فإن الأمور تتغيّر، وتتطلب ضبطًا ودقة. فالرفقة الشريفة لا تتنافى مع التنظيم المالي، ولا تعارض بين المودة ووجود دفتر للحساب. بل إنّ الحفاظ على العلاقة يقتضي صيانة الحقوق، وتوثيق المعاملات، لا من باب الشك، بل من باب الوضوح والعدل.
ليس من السهل دائمًا الفصل بين الاجتماعي والمهني، خاصة حين تنشأ بعض الأعمال التجارية داخل دوائر العلاقات الشخصية. لكنني، على المستوى الشخصي، أُؤمن بأنّ التجارة كيان مستقل، يجب أن يُدار بميزان مختلف، لا مكان فيه للمجاملات، ولا حيّز فيه للعاطفة إن جاءت على حساب الحق.
لقد تعلّمت من التجربة أن العلاقة التي تُبنى على المصالح، وتُرفض فيها الحسابات، هي علاقة كُتبت نهايتها سلفًا، وإن طال عمرها. المال يختبر النفوس، والحساب يحفظ العلاقات.
أذكر أن أحد أصدقائي من أيام الدراسة، حكى لي ذات يوم موقفًا مؤلمًا وقع له خلال غربته في إحدى الدول. قال لي:
> "كنت أعاني ظروفًا صحية ونفسية قاسية، أُلزمَتني الفراش فترة طويلة، ولم يكن أحد يعلم شيئًا عن معاناتي. وفي يوم، رنّ هاتفي، كان أحد المعارف. ظننت أنه سمع عن مرضي واتصل للاطمئنان. لكنه لم يُمهلني حتى للتحية، إذ بدأ في سرد مشكلة يمرّ بها، وختم حديثه بطلب مساعدة مالية عاجلة.
وقفت عاجزًا عن الرد، لا لأنني لا أريد، بل لأنني لا أستطيع. كنت أنا نفسي في ضيقٍ لا يُحتمل. خنقني الصمت، ولم أجد غير إنهاء المكالمة سبيلًا.
ولم تكن تلك المرة الوحيدة، بل أصبح الأمر متكررًا، حتى باتت بعض الاتصالات تُفتح بطلب، وتُغلق دون حتى أن يسأل أحدهم: كيف حالك؟"
قال لي صديقي ذلك الحديث، وأنا أصغي إليه بقلبٍ مُثقل، لا فقط تعاطفًا، بل لأنني — وللمفارقة — أواجه ذات الموقف، بل وربما بصورة أشد وقعًا.
فأنا أيضًا، في لحظة ما، وجدتني أسير في الدائرة نفسها. تنهال علي الرسائل والمكالمات، بعضها من أقرب الناس، تبدأ بالاطمئنان، وتنتهي بطلب. وكأنهم لا يرون من حياتي إلا مظهرها، لا يعلمون كم من الليالي قضيتها أُعيد ترتيب فوضى الداخل، ولا كم من الأبواب طرقتها لأصمد.
أحيانًا أشعر أنني تحوّلت إلى صرّاف طيب، لا يُسأل عن حاله، بل فقط يُستدعى عند الحاجة. وأحيانًا أجد نفسي في حيرة: أأعتذر؟ أُفسّر؟ أم أكتفي بالصمت؟ لكن ما أصعب أن تُبرر عجزك لمن لا يرى أنك تُصارع أصلاً كي تبقى واقفًا.
ما بين رغبتي في المساعدة وواقعي المُرهق، أعيش صراعًا داخليًا مؤلمًا. فأنا لا أبخل على من أحب، لكن الحب لا يخلق المال من العدم، ولا يُنبت من الأرض غير ما زُرع.
هكذا أدركت، كما أدرك صديقي، أن الناس في علاقاتهم قد تُخطئ التقدير، وقد تُحمّلك ما لا تطيق، فقط لأنك يومًا ما كنت بخير.
لكن الخير لا يدوم على حال، والحياة لا تُقاس بما يظهر منها.
وأيقنت حينها أن من يُحبك حقًا، سيطرق بابك ليسأل:
"كيف حالك؟" لا: "كم تستطيع أن تعطيني؟"








































