ذات صباحٍ باردٍ مطير، خرجت من منزلي وكأنني أهرب من فكرةٍ كانت تطاردني منذ الأمس. الشوارع خالية، الأرصفة مبتلّة، والهواء مشبعٌ برائحة الطين والحنين، حتى الأشجار بدت وكأنها تتوسّد الصمت وتغتسل من أحزانها.
كنتُ أحمل مظلّتي كمن يتشبث ببقايا أمانٍ هش، تتساقط حبات الثلج ممزوجةً بالمطر على وجهي، تلسعني وتوقظ داخلي سؤالًا غريبًا:
من أنا؟
ذلك السؤال لم يكن طارئًا، بل قديم، مقيم في داخلي منذ الطفولة. لكنه هذه المرة بدا أكثر إلحاحًا، أكثر برودةً، وكأنه الحبة التي، إن لم تجد لها جوابًا، تذيب كل ما في القلب من أحلام، وتذرُه هشيمًا في مهبّ الريح.
مشيتُ طويلًا، أراقب خطواتي وهي تغوص في البلل، كأنني أبحث عن أثرٍ لوجودي. لم تكن المدينة كما عهدتها، ضجيجها خفّ، وأحاديثها سكتت، حتى الراديو الذي كان صديقي الأثير لم أعد أقوى على تحريك إصبعي لتبديل تردده، فقد باتت يداي كقطعتين من جليد.
العالم يُخفي أسراره بدهاء، ونحن نعيش عراةً من كل ستر، أسرارنا مكشوفة، صراحتنا تُرهب الآخرين، لكننا لا نجد سبيلاً سوى قول الحقيقة، حتى وإن كانت تؤلمنا.
ما لا يمكننا البوح به، في تقديري، لا يُسمّى سرًا، بل هو صدعٌ داخليّ، يُدارى في حوائط القلب، يُصان كما تُصان جروح الأطفال حين يُخفيها الكبار خلف ابتساماتهم. بعض الجراح لا تُروى، بل تُحفظ في الذاكرة كندوب مقدّسة.
في غمرة هذا التأمل، رنّ هاتفي، كانت إحدى جميلات حيّنا، بصوتٍ لا يخلو من نبرة الإغراء، تعرض عليّ عرضًا قد لا يرفضه كثيرون. لم يكن العرض مخلًا أو معيبًا، بل كان شيئًا من تلك العروض التي تهزّ قلبك لكنها لا تلامس روحك.
رفضته، لا لأنني قديس، بل لأنني ببساطة لا أشبهه.
رفضتُ لأنني رجلٌ يبحث عن صدقٍ لا يُشترى، عن دهشةٍ لا تُصنّع، عن حبٍ لا يحتاج لتمثيل، وعن هوية لا تتقاطع مع ما لا يشبهني.
كان الرفض لحظة نادرة من الانتصار على الذات، لحظة شعرت فيها أنني لم أعد هاربًا، بل واقفًا في مواجهة نفسي، أواجه السؤال ذاته من جديد:
من أنا؟
ربما لا أملك الإجابة الكاملة بعد، لكنني، على الأقل، بدأت أمشي في الطريق إليها.








































