لم تكن هذه الكلمات مجرد حروف متراصة، بل كانت أشبه بنفَسٍ دافئ يتردّد في صدر عاشق يخطو خطواته الأولى في دروب الحب. في مرحلة الشباب الأولى، حيث تتفجّر الأحلام كينابيع لا تنضب، كان كل شيء يبدو أكبر من حجمه وأكثر بريقًا مما هو عليه في الحقيقة. عندها، تبدأ القلوب اليافعة في التعلّق بأول نسمة حنان وأول لمعة عين، فتتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى أساطير يُفاخر بها الشاب أمام أصدقائه.
كان ذلك المجتمع الصغير الذي يجلس فيه الأصدقاء تحت ظل شجرة نيم عظيمة أشبه بمحكمة غير معلنة، لكل منهم دور: هذا يصغي باهتمام، وذاك يبتسم بخبث، وآخر يختزن في داخله تعليقًا ساخرًا ينتظر اللحظة المناسبة ليطلقه. وسط هذه الدائرة، جلس الفتى يتحدث عن معشوقته كما لو كان يصف قمراً نزل من السماء خصيصًا له.
"إنها الأجمل، لم ترَها عيونكم بعد... قلبها لي وحدي، كأن الله خلقها لتكون أنثى أحلامي. هي ابنة العمدة، سليل الناظر، وحفيدة رجل البرّ والإحسان. أبوها لا يغيب عن عمل خير إلا حضر بماله وفكره. وهل تدرون؟ إنها رفضت الجميع من أجلي أنا."
ارتفعت نبرة صوته، وامتلأت عيناه بلمعة الانتصار، كمن رفع كأس بطولة أمام جماهيره. لكن الصمت الذي ساد المجلس فجأة كان أشبه بمصيدة. لم يدم طويلًا حتى اخترقه صوت صديق ذكي ساخر، قال بابتسامة صغيرة لم يستطع إخفاء مكرها:
"كل هذا جميل يا صديقي، ولكن... كم عمرها؟"
كانت لحظة فاصلة، كأن الزمن توقّف، والأنفاس تجمّدت في الحناجر. تجمّد الفتى مكانه، تلعثم، وحاول أن يبتسم لكن عضلات وجهه خانته. كان يعرف أن الإجابة أشد قسوة من السؤال: فمعشوقته التي رسمها بصورة فتاة الحلم، قد تجاوزت عمر الشباب وشارفت على الخمسين.
لو قالها بصدق، لانهارت صورته أمامهم، ولتحوّل مجلس الرفاق إلى ساحة سخرية ضارية. كان يتخيّل ضحكاتهم تنهال عليه مثل حجارة، تكسر هيبته وتجرّد حكاياته من كل جمال. لقد شعر فجأة أن الحُبّ الذي جعله يتيه فخرًا، تحوّل إلى قيد يشدّه نحو قاع الخجل.
أطرق رأسه، يبحث عن مخرج. أراد أن يقول شيئًا يغيّر مجرى الحديث، أن يقلب الطاولة، لكنه لم يجد الكلمات. كانت أعين أصحابه معلّقة به، نظراتهم تزن كلماته، وتستعدّ لجلده بالحكم القاسي الذي لا يرحم.
وفي داخله، اشتعل صراعٌ صامت: هل يتمسّك بحبه متحديًا سخرية الجميع، أم يهرب من المواجهة كمن يلوذ بالصمت لينجو بكرامته؟ في تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد قصة فتاة تكبره سنًّا، بل كان مواجهة بين الفرد والمجتمع، بين الحلم والواقع، بين القلب وما تمليه الأعراف.
وبقي المشهد عالقًا، كلوحة مفتوحة على احتمالات شتى: أصدقاء يتأهبون للضحك، فتى يصارع صمته، وحبٌّ يترنح على حافة السخرية.







































