قد يُكتب علينا أحيانًا أن نكون شهودًا لا على الوقائع فحسب، بل على تجربة الحكم، وتجربة الإدارة، وتجربة الوظيفة العامة من الداخل؛ من قلب دهاليز الدولة وممراتها الضيقة. هذه ليست تهمة تُعيَّر بها الذات، بل مسؤولية تضعنا في مفترق طرق: بين خيار الاستمرار في الصمت، أو فضح ما يدور خلف ستار العملية الإدارية في مؤسسات الدولة، مركزًا كانت أم فرعًا في الأقاليم.
تجربتي لم تكن مجرد مرور عابر داخل مؤسسة، بل امتحانًا حقيقيًا لمبادئي. لم أصمت يومًا حين رأيت سلوكًا إداريًا أو أخلاقيًا يرقى إلى وصفه بملف فساد، سواء كان ذلك فسادًا بنيويًا أم سلوكًا متجاوزًا ولو على مستوى التفاصيل الصغيرة. فهكذا تربيت: على قول الحق في موطنه، وعلى الصدق الذي لا يعرف التلون. وكان ثمن ذلك ثقيلًا.
وجدت نفسي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التماهي مع الفاسدين والصمت عن الأخطاء، أو مواجهة قاسية مع منظومة تُعاقب من يسأل، وتطارد من يُنكر، وتقصي من يرفض الانحناء. وقد اخترت المواجهة، رغم قسوتها على نفسي ومبادئي.
لن أنسى ذلك اليوم الذي كنت فيه على شفا حفرة من الغضب، حين وقعت عيناي على مشهد فجّ في ديوان الزكاة، تلك المؤسسة التي يُفترض أن تكون ملاذًا للفقراء والمحتاجين، ورافعة اجتماعية للضعفاء والمساكين وذوي الحاجات. لكن، ويا للمفارقة، رأيت من ينزل من عربات فارهة، يرتدون أفخر الثياب، يأتون لأخذ ما لا يستحقونه من أموال الزكاة، ثم يغادرون محملين بالهبات كأنهم فقراء!
أيعقل أن تتحول الزكاة — التي هي ركن من أركان الإسلام — إلى غنيمة تُوزع على من لا يستحقون، ويُقصى عنها أصحاب الحاجات الحقيقية؟!
سألت هذا السؤال الجوهري، فكان الرد تهديدًا بالإقصاء من الوظيفة، ومساءلة قانونية، وربما ما هو أبعد من ذلك. هذه هي الحقيقة المؤلمة: أن تطالب بالعدل فتصبح متهمًا، وأن تُشير للخلل فتصير مهددًا.
لقد وجدت نفسي في صراع مرير مع مؤسسات فاسدة وهياكل إدارية معطوبة، حيث يُعاقب من يجرؤ على السؤال، ويُطارد من يُحاول الإصلاح. ورغم كل شيء، لم أندم على موقفي، فما زلت أعرف طريق المقاومة، وأرفض أن أستسلم تحت ضغط البارود، أو أن أنحني أمام الظلم.







































