التنمّر لم يعد حكرًا على ساحات المدارس أو الأزقة الضيقة حيث كان الصغار يتبادلون السخرية، بل تمدّد اليوم إلى فضاءات أكثر اتساعًا وأشد قسوة؛ فضاءات لا ترحم أحدًا، وهي فضاءات التواصل الاجتماعي. لقد صارت هذه المنصات، وفي مقدمتها فيسبوك، مسرحًا يوميًا لاستعراض مكبوتات نفسية، وتفريغ شحنات غضب دفينة، فتجد شبابًا يتسابقون في إطلاق السخرية والتجريح، وغالبًا ما يكون الهدف الأيسر والأكثر حضورًا هو الفتيات، لا سيما الموظفات في مؤسسات الخدمة المدنية اللواتي يكفي أن ينشرن صورة عابرة أو رأيًا بسيطًا ليتحوّل ذلك إلى سيل من التعليقات الساخرة التي تنال من مظهرهن وشخصيتهن وكفاءتهن، متجاهلين تمامًا أن خلف الشاشة قلبًا يتأثر وعقلًا يتشوش.
غير أنّ هذا السلوك لم ينشأ فجأة، بل هو نتاج أزمة عاطفية واجتماعية خانقة ضربت الشباب في عمقهم. فالخريجون يواجهون انسداد الأفق بسبب البطالة وغياب المشاريع التي تستوعب طاقاتهم، والمؤسسات مكتظة بالموظفين دون حراك يفتح المجال لغيرهم. ومع ضيق الواقع، انسحب كثيرون إلى عالم افتراضي ضيق، لكنه بدا في ظاهره واسعًا، فوجدوا فيه متنفسًا سهلاً، وما أسهل أن يتحول التنفيس إلى تنمّر، إذ لا يتطلب سوى كلمات تُكتب في ثوانٍ، لكنها قد تترك جرحًا غائرًا في نفس الآخر.
ولا يقف التنمّر عند حدود الشباب ضد الفتيات، بل يمتد ليأخذ شكلاً متبادلاً. فبعض الفتيات أنفسهن يسخرن من الشباب المراهقين الذين لم تكتمل بعد ملامح وعيهم، فيتأثرون بالكلمة الأولى التي تُلقى عليهم، وربما تكفي جملة ساخرة واحدة لتدفع شابًا صغيرًا إلى الانطواء أو إلى التفكير في الانسحاب من الحياة الرقمية تمامًا، وربما من الحياة ذاتها. إنها دائرة مغلقة من الإيذاء، كل طرف فيها يجرّ الآخر إلى حافة الألم النفسي.
ولعلّ ما يزيد المشهد تعقيدًا أنّ أبناءنا اليوم يعيشون في بيئات اجتماعية مختلفة تنعكس على مدى تعرّضهم للتنمّر. ففي الريف، حيث النيل الأزرق وكردفان وجنوب دارفور، ما تزال قيم التكافل والرقابة الأسرية الصارمة حاضرة، بينما أبناء الخرطوم وأحيائها الراقية كالمعمّرات والطائف والرياض يعيشون واقعًا مغايرًا، أكثر انفتاحًا وأقل تماسُكًا بفعل التغيرات الاجتماعية السريعة. صحيح أنّ المدن نفسها قد مرت بمراحل مشابهة للريف قبل عقود طويلة، لكن الرقمنة جعلت أبناء الحضر أكثر اندفاعًا نحو العالم الافتراضي، وأقل تحصينًا ضد مخاطره.
ومن المؤلم أنّ الأمثلة على ذلك لا تُعد ولا تُحصى. فقد نشرت إحدى الشابات الموظفات في وزارة خدمية منشورًا بسيطًا عن أهمية الانضباط في العمل، فإذا بالتعليقات تنهال عليها لا لتناقش ما كتبت، بل لتسخر من شكلها وملابسها وحتى من حقها في إبداء الرأي. وفي واقعة أخرى، تعرّض شاب مراهق لسيْل من السخرية بسبب صورة نشرها ببراءة، فانهارت ثقته بنفسه وأصيب بحالة من الاكتئاب أجبرت أسرته على منعه من استخدام فيسبوك لفترة طويلة. مثل هذه القصص لا تُروى باعتبارها حوادث فردية، بل باعتبارها انعكاسًا لمرض اجتماعي يتسع كل يوم.
هنا تتضح أهمية دور الأسرة في أن تكون حصنًا واقيًا للأبناء. فالمراقبة لا تعني القمع، بل الوعي، ولا تعني الحرمان، بل التوجيه. المطلوب أن نمنح أبناءنا حوارًا صادقًا يعزز مناعتهم النفسية، ويعلّمهم كيف يتعاملون مع النقد والسخرية، وكيف يستخدمون أدوات الحظر والتبليغ بدل الاستسلام للأذى. فالكلمة الجارحة لا تقل خطرًا عن الحجر، بل ربما تفوقه أثرًا حين تستقر في وجدان هشّ لم يشتد بعد.
إن مواجهة التنمّر الإلكتروني ليست مهمة فرد واحد ولا مسؤولية أسرة بعينها، بل هي قضية عامة تحتاج إلى تضافر المجتمع كله. علينا أن نعزز التوعية بخطره في الإعلام والمدارس، وأن نغرس في أطفالنا منذ الصغر مبادئ التربية الرقمية التي تعلّمهم استخدام التكنولوجيا بوعي وأخلاق، وأن نفعّل القوانين الرادعة التي تحاسب كل من يحوّل العالم الافتراضي إلى ساحة أذى. والأهم من ذلك كله، أن نمنح الشباب فرصًا واقعية للعمل والإبداع حتى لا يتحوّل إحباطهم إلى سهام مسمومة في فضاء رقمي لا يعرف الرحمة.
لقد أصبحنا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن نترك أبناءنا نهبًا لعالم افتراضي يعمّق أزماتهم النفسية ويزرع بينهم العداء والسخرية، وإما أن نصنع من التكنولوجيا جسرًا يربطهم بالقيم الأصيلة والوعي الجديد. وما أحوجنا إلى جيل يدرك أنّ الكلمة مسؤولية، وأن الاحترام قيمة، وأن المستقبل لا يُبنى على الجرح والتقليل من شأن الآخر، بل على التعاطف، والمساندة، والقدرة على أن نرى في الآخر مرآة لأنفسنا.








































