لم تكن الحرب التي اجتاحت السودان مجرّد مواجهة عسكرية بين قوات نظامية ومليشيا متمردة، بل كانت كارثة شاملة عصفت بأسس الحياة المدنية، وتركت خلفها واقعًا مفككًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. ومن بين أكثر المناطق تضررًا، برزت العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات التي وقعت تحت سيطرة مليشيا الجنجويد الإرهابية، حيث شهدت هذه المناطق موجة تدمير ممنهج لا تميّز بين مؤسسة حكومية أو مرفق خدمي، ولا بين منشأة حيوية أو رمز حضاري.
البنية التحتية كانت الهدف الأول لهذا الخراب. فالمؤسسات التعليمية دُمِّرت أو تحولت إلى ثكنات عسكرية، والمتاحف القومية نُهبت أو هُدمت، والمستشفيات أُحرقت أو أُفرغت من أجهزتها وأدويتها، حتى فقد المواطنون أبسط مقومات الرعاية الصحية. وتشير تقديرات ميدانية إلى أن أكثر من 70% من المرافق الصحية في الخرطوم الكبرى تعرضت لضرر بالغ، بينما خرجت أكثر من 60% من المدارس عن الخدمة في المناطق التي سيطرت عليها المليشيا.
ولم تتوقف الخسائر عند قطاعي الصحة والتعليم، إذ شمل الدمار محطات توليد الكهرباء والطاقة المتجددة، حيث تعطلت 40% من القدرة التوليدية الوطنية، وتضررت 80% من محطات التحويل الرئيسية في العاصمة. كما انهارت أجزاء كبيرة من شبكة الطرق، ودُمِّرت 25% من الجسور الرئيسية التي تربط المدن أو تعبر الأنهار، إضافة إلى قطع عشرات الكيلومترات من الطرق المعبدة، وحفر الطرق الترابية عمدًا لإعاقة الحركة.
المشهد داخل المدن المنكوبة كان أكثر قتامة. أحياء كاملة تحولت إلى أنقاض، مئات المباني الحكومية والخاصة سويت بالأرض أو أُحرقت، والأسواق التي كانت تعج بالحياة التجارية أُفرغت من أصحابها وزبائنها بعد النهب والحرق. أكثر من 70% من المحلات التجارية في الخرطوم ومدني توقفت عن العمل، بينما توقفت معظم المصانع الكبيرة والمتوسطة عن الإنتاج بسبب الدمار أو النهب أو فقدان الإمدادات. شركات النقل، والمخازن، والمطاحن، فقدت قدرتها على التشغيل، لتتراجع سلاسل الإمداد إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
هذا النمط من التدمير لا يختلف كثيرًا عن سيناريوهات شهدتها دول أخرى عصفت بها الحروب الأهلية، مثل الصومال في التسعينيات أو ليبيا بعد 2011، حيث استهدفت المليشيات بنية المدن الأساسية لشل قدرة الدولة على بسط نفوذها، وإغراق المجتمع في حالة فوضى مستدامة. لكن ما يميز المشهد السوداني أن الدمار لم يكن موجَّهًا نحو المرافق الاستراتيجية فحسب، بل طال كل ما يمس الحياة اليومية للمواطن، في إشارة واضحة إلى أن المستهدف كان الشعب ذاته.
مدني، نيالا، زالنجي، سنجة، الجنينة، والخرطوم نفسها، كلها شواهد على هذا الخراب الممنهج. مدن خرجت من دائرة الأمان إلى حالة "اللاوجود" الأمني، حيث غابت السلطة الشرعية، وفرضت المليشيا سطوتها عبر القتل والنهب والاعتداء على الأطباء، وتحويل دور العبادة إلى أماكن لهو لقادتها. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليوني مواطن نزحوا داخليًا نتيجة القتال في هذه المدن وحدها، فيما فقد مئات الآلاف مصادر رزقهم المباشرة بسبب توقف الأعمال التجارية والإنتاجية.
إن استرداد هذه المناطق على يد القوات المسلحة كان خطوة فارقة، لكن ما بعد الاسترداد هو التحدي الأكبر. المطلوب اليوم ليس مجرد ترميم الخراب، بل وضع خطط عاجلة وطويلة المدى لإعادة بناء البنية التحتية وحماية المرافق من أي تهديد مستقبلي، وضمان عودة النشاط الاقتصادي والخدمي إلى سابق عهده. وحتى لا يبقى المشهد السوداني أسير الصور المأساوية، فإن الطريق إلى التعافي يبدأ بتثبيت الأمن في المناطق المستردة، وضمان حماية كل مرفق عام أو خاص من أي تهديد جديد، يلي ذلك برنامج عاجل لإعادة تشغيل المرافق الأساسية — المستشفيات، محطات الكهرباء، المدارس — حتى ولو بإمكانيات مؤقتة.
ثم تأتي مرحلة إعادة البناء الكبرى، بترميم الطرق والكباري المدمرة، وتشغيل المصانع والمخازن، ودعم التجار وأصحاب الورش للعودة إلى أعمالهم. وأخيرًا، الاستثمار في مشروعات تنمية مستدامة تعيد للولايات المتضررة قدرتها على الإنتاج وتوفر فرص عمل للشباب، لتكون الحصانة الحقيقية ضد أي عودة للفوضى.
إعادة الإعمار ليست مشروعًا حكوميًا بحتًا، بل معركة وطنية تتطلب تعبئة شاملة لكل طاقات المجتمع، لأن هذه الحرب لم تكن على الحكومة بقدر ما كانت على الشعب، ومعركة البناء المقبلة ستكون امتحانًا لإرادة السودانيين في النهوض من تحت الركام وصنع مستقبل مختلف، لا تفرضه فوهات البنادق، بل تصنعه إرادة الحياة.







































